إنني أدعو رجال العلم المؤمنين في أيامنا إلى إعداد أنفسهم إعدادًا يُؤهّلهم للحديثِ عن مثل هذه المسائل في راحةٍ تامّةٍ؛ لأن آيات القرآن الكريم تأخذ بِأيدينا وترتقي بنا إلى السموات، وتجول بين النجوم والمجرّات؛ لتعرّفنا ببدائع الصنائع مما فيها وعظيمِ قدرتِهِ وسلطانِهِ جلّ جلاله، ثم تجول بنا بين الناس، وتلْفتُ أنظارنا إلى أعضائنا وروعتها، وتبسط أمام أنظارنا الوجود بأكمله، وتعرّفنا بالوضع التشريحي للإنسان، ثمّ تمتدّ هذه الرحلة الطويلة حتى عالم الذرات، وتذكّرنا بأن العلماء هم الذين يخشَون الله حقًّا؛ فتحثُّنا وتُشوّقنا إلى تحصيل العلم، وتؤكّد على مسائل علمية أخرى، وتدعو الإنسان إلى التأمّل والتفكر في ملكوت السموات والأرض، وبالطبعِ فإنّ كلّ هذا يجبُ أن يُؤَطّرَ بإطار روح القرآن، وإلّا نكون قد قُمنا بتحريف القرآن باسم القرآن.

 أدعو رجال العلم المؤمنين في أيامنا إلى إعداد أنفسهم إعدادًا يُؤهّلهم للحديثِ عن شرح الإسلام بالعلم في راحةٍ تامّةٍ.

نقاط منهجية

أولًا: يجب استعمال هذا الأسلوب في شرح حقائق الإسلام كوَسيلة وأداة فقط، والابتعاد عن محاولة استعماله لإظهار عِلمنا والتّفاخر به؛ لأن المعادلة تُقلَبُ آنذاك، ولن يكون لكلامنا أيّ تأثير على المستمعين، فهذه الحقائق النورانية الخارجة من أفواهنا تَفْقد أنوارها وترجع إلينا كالِحة متناسبة تناسُبًا عكسيًّا مع نيّات قلوبنا، وإذا كان كلامنا موجَّهًا لا لإقناع المخاطبين بل لإلجامهم وإفحامهم فإننا لن نكون مؤثِّرين فيهم البتة؛ لأننا سددنا الطريق للنفوذ إلى قلوبهم، وإنْ تصرفنا بعكس ذلك استفاد الذين يحتاجون إلى هذا الموضوع من المستمعين دون أن نشعر، لأننا في هذه الحالة نحمل نيّة إيصال الحقائق إلى الآخرين لا نيّة إبرازِ أنفسنا، وأحيانًا ترى أن حديثًا بسيطًا منك تعتقد أنك لم تُوفِّه حقَّه قد أثَّر في نفوس الحاضرين أكثر من خطبةٍ بليغةٍ نمَّقْتَها في مُناسبة أخرى.

التهالك في تناول قضايا العلم والتقنية -كما لو أننا نرتاب في مبادئنا فنستعين بهذه العلوم لتقويتها- أمرٌ يُشكِّل عدم احترام الحقائق التي نؤمن بها.

ثانيًا: علينا التخلّى عن عقدة الشعور بأن الجميع يتكلّمون عن العلم وعن التقنية، وألا تكون هذه العقدة أُسَّ شرحِنا للقضايا الإسلامية، فهذا أمرٌ غير صحيح البتة، لأن التهالك في تناول هذه القضايا -كما لو أننا نرتاب في مبادئنا فنستعين بهذه العلوم لتقويتها- أمرٌ يُشكِّل عدم احترام الحقائق التي نؤمن بها، فضلًا عن ذلك فإن اعتبارَ العلم والتقنية أصلًا ثابتًا ومبادئَنا شيئًا تابعًا يحتاج إلى تصديق العلم أمرٌ غير مقبول على الإطلاق.

 العلوم وسائل لإزالة الغبار المتراكم على حقائق ضمائرنا، ولا يجب جعلها حقائقَ وجعل الآيات والأحاديث تابعةً لها، فالتعسّف في التأويل لإحداث التطابق بينهما سيؤدي إلى الارتياب فيما لا يتمّ الاتّفاق عليه من مواضيع.

وخلاصة الموضوع: إن العلوم تُعدّ وسائل لإزالة الغبار المتراكم على الحقائق الكامنة في ضمائرنا، أما إن اعتبرنا ما تشير إليه هذه العلومُ حقائقَ -والعياذ بالله- وجعلنا الآيات والأحاديث تابعةً لها، وتعسّفنا في التأويل والتفسير لكي تتطابق الآيات والأحاديث معها، فإننا سنسوق أنفُسَنا ومخاطبينا إلى الشكّ والارتياب فيما لا يتمّ الاتّفاق عليه من المواضيع.

—————–

المصدر: محمد فتح الله كولن، الاستقامة في العمل والدعوة، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، صـ117-119.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

 

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts