Reader Mode

سؤال: ما الخصائص التي لا بدّ من مراعاتها عند تعلمنا للدين وتعليمه لغيرنا، وما الذي يجب أن يكون عليه منهجُنا في التبليغ؟

الجواب: التبليغ هو غاية إرسال الرسل، ولذا فإن أهمّ وظيفةٍ حياتيّةٍ تقع على عاتقنا هي شرحُ المسائل التي كُلّفنا بها وتبليغُ الناس إيّاها، وأُولى وظائفنا هي إعادة النظر في جميع الأصول والمناهج القديم منها والجديد في هذا الموضوع، وتطبيق المبادئ التي نسلم بإمكانية تطبيقها في عصرنا والتي نؤمن بأنها تفضي إلى نتيجةٍ فاعلة، وليس من الصحيح أن نحصر مسألةَ التبليغِ في المعلم والطالب أو إمام المسجد والمؤذن أو المدرسة والمسجد، بل ينبغي لكلِّ مُكلّفٍ أن يخدم حيث هو في إطار أصول هذه الخدمة.

فالإنسان تلميذُ الحياةِ الدؤوب؛ بمعنى أن الحياة بالنسبة له هي أهم المدارس وأخطرها، والمدرسة بمعناها الخاص لا تتعهّد أو تتكفّل إلا بمسائل فرعيّة في الحياة، والأساتذةُ والشيوخُ ذوو الخبرات فيها يمحّصون ما اكتسبوه من خبرات ويحاولون نقلَها إلى تلاميذهم، بيد أن كل فردٍ في مدرسة الحياة العامة هو في الوقت نفسه تلميذٌ وشيخٌ وأستاذٌ، فهو يُعلّمُ ويَتعلّمُ باستمرار.

 ولا يختلف الوضع بالنسبة لمسألة الإرشاد والتبليغ، فالمسائل التي يتمّ تعليمها أو تعلُّمها في المدارس لا تُشكّل إلّا جزءًا من منظومة هذه الوظيفة، ولا يستطيع الإنسان بالمعلومات التي اكتسبها هناك إلّا أن يرقى إلى مستوى معين، غير أن نظرته إلى الحوادث والأشياء تتغير وتتطوّر، ويتّسع أفقه، فيتمكن من حمل وظيفة الإرشاد والتبليغ إلى أندادِه وأَتْرابه.

لكن هذه المهمة لا تتوقّفُ عند ذلك، بل سيتعلم بعد انطلاقه في الحياة أشياء محاولًا تقديم ثمار تجاربه التي حصل عليها إلى من حوله، ولذا فالإنسان مضطرٌّ أيًّا كان عمره أو مستواه إلى شرح المسائل التي تعلمها إلى الآخرين، وهذه هي أهمُّ وظيفةٍ حياتيّةٍ بالنسبة له.

وفي الواقع هذه هي الغاية من وجودنا؛ لأن الحقّ تبارك وتعالى أرشَدَنا بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 51/56)، إلى أن العبودية هي الغاية من خلق الإنس والجن، والجميع يتنافسُ في إطار مفهوم العبودية، فمنهم من يتعثر ويظلّ في الطريق ولا يبرحه ومنهم من يرقى ويرقى، فيكون بذلك جديرًا بأن يدخل في عداد الزمرة التي حازت على أعلى وأعظم المقامات عند الله.

إن معرفة الله وعبوديّته هي غاية الفطرة والهدف الوحيد من الخلق، وبينما تقتضي العبودية من جهةٍ بعضَ الأمور مثل الإنصات والشرح والتسليم والمعايشة وتوجيه كل أمور الحياة إلى العبودية فهي تهدف من ناحية أخرى إلى صفاء الأفكار والوصول بالإنسان إلى أفق التفكر في خالقه ليس إلا. ولذا فهي مهمّة ثقيلة، وبقدر هذا الثقل فهي جليلة مقدّسة.

يقول ربنا تبارك وتعالى في الآية الحادية والعشرين من سورة البقرة آمرًا بعبوديته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/21).

يعني اعبدوا ربكم، فهو من خلقكم وخلق الذين من قبلكم، بيده سبحانه الخلق والأمر، فهو من أوجدكم، وخلق فيكم في الوقت ذاته وسائل الخلق من عناصر وجُزَيئَات وجُسيمات، بمعنى أنه خلق ما قبل الخلق والذي تُطلقون عليه “الخلقَ الأول”، وبمعنى آخر: هو الذي خلق الذين من قبلكم.

هو من أهلك كثيرًا من الأمم، فلا قِبَلَ لكم أن تتصوّروا كيف أهلك أمثال فرعون والنمرود وشدّاد (أطغى حكام قوم عاد)، وهم الذين كانوا يسيرون في الأرض بتكبُّرٍ وتبختُرٍ.

 ثم جعل روما المتغطرسة وبيزنطة واليونان -وحتى السلاجقة والعثمانيين من ناحية ما- أثرًا بعد عين بمحضِ إرادته سبحانه وتعالى، وهو الذي خلق كل هؤلاء جميعًا كما خلقكم.

إذًا عليكم أن تعبدوا ذلك الخالق الذي أحاطت قوته بكل شيء، وأن تأخذوا الماضي والحاضر والمستقبل بعين الاعتبار وتجعلوا منه عبرةً وعظةً؛ حتى يتسنى لكم الدخول في دائرة التقوى، فإن فعلتم ذلك أحسنتم تقويمَ حياتكم، وكنتم أكثرَ الناسِ تقوًى وتوقيرًا لله، ووصلتم إلى الغاية السامية من حياتكم سيرًا على الصراط المستقيم.

هو الذي جعل لكم الأرض فراشًا، تجدون كلَّ ما تسألونه بجانبكم وبالقرب منكم، وكأنكم مرضى على هذا الفراش، وإنّ مالكَكم ومالكَ هذا العالم الذي ينفذُ حكمُهُ في كلِّ شيءٍ يحتفي بكم حفاوةَ ضيوفه الكرام.

أجل، لقد جُعلت لكم الأرض فراشًا، فلو أُصيبت بأيِّ عطبٍ لوقعتم في حالةٍ يُرثى لها، ولضاقت عليكم الدنيا بما رحبت.

وهو الذي يسَّرَ لكم كلَّ شيءٍ، يأتيكم بالطعام، ويقلّبكم ذات اليمين وذات الشمال على فرشكم، فلو فكّرتم في هذه الآية وبحثتم عن حكمةِ التقلُّب يمنةً ويسرةً في فرشكم ستجدون أن تلك الآية وكأنها قد سُطرت بالنجوم على صفحة السماء، وعرضت على أنظاركم تشاهدونها على فرشكم الوثيرة التي تستمتعون بالاسترواح عليها.

ثم جعل السماء سقفًا مرفوعًا، فهناك ارتباطٌ دائمٌ بين السماء والأرض، السماء تبعث الضياء، فتشق البراعمُ وجهَ الأرض، وتتبخر المياه، وتصعد إلى السماء، ثم تهطل مجدّدًا على هيئة أمطار، حتى الصواعق فيها منافع للناس، ولا يُجري المياهَ التي تشربونها من منابعها إلّا اللهُ، وهو الذي جعل لكم الأرض مهادًا، مهّدها ولم يتركها سدًى، بل حَفِظَ لها نقاءَها وصفاءها، فإن لم يجعل السماء سقفًا من فوقكم ما كان هناك نقاءٌ ولا نظام، والعشب يبزغ في الربيع ثمّ يصفرّ ويذبل في الخريف، ويجفّ كلّيّةً في الشتاء، فيتجدَّدُ به تراب الأرض ويقوى مرَّةً أُخرى.

 ما أروعَ هذا الجانب الخاصّ بالنظافة في هذه العملية!، فعلى الأرض آلاف من الأشياء الرائعة من حيث النظافة فقط.

اعبدوا ربَّكم وتوجَّهوا إليه توجُّهًا يليقُ بقدر توجُّهِهِ إليكم، فهو من توجَّه إليكم وأسبغَ عليكم نِعَمَهُ ظاهرةً وباطنةً.

إن تأملتم الأمورَ جيدًا تُدرِكونَ الحِكَمَ والمصالِحَ كيفَ تُحيطُ بكم وتهبُ لكم الأرزاق، تأملوا جيدًا فيما وهبه لكم من رزق مادي ومعنوي؛ رزقِ الإبصار ورزقِ التذوّق ورزق السمع ورزق الهضم، وحينذاك تدركون جيّدًا أن كل هذه الأرزاق منه سبحانه وتعالى.

وعندما يهبها لكم لا يحتاجُ إلى غيره، فعليكم إذًا أن تكونوا منصفين ولا تشركوا غيره معه في عبادتكم له، احموا أنفسكم من دَنَسِ الشِّرْك الخفيِّ والصريح والصغير والكبير.

كلّ هذه الأسباب عارضةٌ، وليس هناك وجود حقيقيٌّ لأيٍّ منها، فإن لم يكلفنا ربنا تبارك وتعالى بالأَخْذِ بالأسباب ما اضطرَرْنا إلى اللجوء إلى أيٍّ منها، وبما أن كلَّ شيءٍ في هذا العالم المفعم بالحِكَمِ متعلِّقٌ بالأسباب فنحن ننظر إليها على أنها شروط عادية فقط، أما النقطة الثابتة التي لا تتغير والتي نُركز عليها فهي يد القدرة الإلهية التي تقبض وحدها على جميع الأسباب، ولذا فإن عبوديتنا له وحده لا لغيره.

وأحيانًا لا يستطيع الإنسان أن يحافظ على ذلك التوازن في حالة سروره وسعادته، لذا فلا بد من مراعاة النعم التي يهبها الله لنا، مع تَجَنُّبِ أيّ قولٍ أو فعلٍ يُشمّ منه رائحة الشرك بالله تعالى، أما الدقة التي لا بدّ من مراعاتها في هذا الأمر فتتناسبُ وتتوازنُ مع القرب من الله تعالى.

اعبدوا ربكم بما يليق بنعمة التلذُّذ باللذة المعنوية والذوق الروحاني الذي ينشأ في قلوبكم بمعرفة الله، ولا تتركوا قلوبكم عُرْضَةً لنشأةِ أيّ شعورٍ بالتوجّه إلى محرابٍ آخر، فإن حدثَ وشعرتم بِمَيلٍ هكذا فاستردّوا وعْيَكُم على الفور وقولوا: لا إله إلّا الله، فغاية حياتكم هي اقتران العبودية لله بهذا الشعور.

وكل مفهومٍ خدميٍّ يُفضي إلى تلك الغاية واجبٌ لا بدّ من الأخذ به، حتى إن حكمة إرسال الرسل تستند على حقيقة أداء هذه المهمّة.

إننا نحن المؤمنين أمام واجب مقدس وهو أن نكون وسيلةً لحب الله وتحبيبه إلى الآخرين، وتنوير القلوب بنور الإيمان، وإن الاشتغال بهذا الواجب ودعمه لهو سباق في عمل الخير، فمن استطاع أن يُكمّل السباق في هذه الحلبة فهو مِن أعظم الناس في العالم فضلًا وخيرًا.

فلو أنَّ إنسانًا ينظرُ إلى المسألة من هذه الزاوية باهتمام وفُتِحَتْ له الأبواب التي تُفضي به إلى الرئاسة على مصراعيها أو عُرض عليه مقامٌ دنيوي رفيعٌ تشرئبُّ إليه أعناق الجميع وخُيِّرَ بين واحد من اثنين فلا ريب أنه سيؤثر هذه الوظيفة على غيرها؛ لأنه يعلم يقينًا أن هذه الوظيفة هي وظيفة الأنبياء والصديقين، ففي هذا الجانب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وساداتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعًا، وفي الجانب المقابل هناك غالبًا الظالمون والشدادون؛ وظيفتهم هي التجوّل مثل العقرب وبثُّ سموم الكذب والغِلِّ والحِقْدِ الكامنة في داخلهم جرّاءَ فقرهم وفاقتهم الروحيّة، بيدَ أن الأولين يتلألَؤون على الدوام بِهَالَاتِهِم النورانية مع أرباب النورِ الصالحين.

إننا نعيش في هذه الدنيا حياةً مجيئُنا إليها ليس بإرادتنا، وخروجُنا منها وفراقنا لها ليس بإرادتنا أيضًا، إلّا أننا يمكننا أن نُحوّل هذه الحياة إلى حياةٍ يرضى بها الله عنا بالتخلّي عن السلبية والترقي تدريجيًّا، وهذا يتأتّى بدايةً باستيعاب أركان الإيمان ومزجِها بأرواحِنا، وتحويل أفئدتنا بالمعرفة الإلهية إلى أقراص من العسل، والوصولِ بعد ذلك بالمسائل الإيمانية عن طريق العبادة إلى درجة عين اليقين، وبلوغِ مقامِ الإحسان، وتحويل أُسُسِ الأخلاق الحسنة إلى ملكات تندرجُ في ماهيّتنا، وفي النهاية نَقْلِ هذه المزايا التي حصلناها إلى الآخرين، وتنوير كل مكان وكل إنسان وكل مجالات الحياة بأنوار الإيمان.

لقد أصبح الإسلام غريبًا جدًّا على الرؤى والأفكار في وقتنا الحاضر سواء في تركيا أو في أي بلد إسلامي آخر، وبدا وكأنه منبوذٌ عن الحياة، ونابذَ العلمُ والتكنولوجيا الدينَ العداءَ، وخُدع الكثيرون، ومن ثم لا بدّ من معرفة المسائل الإسلامية والقرآنية والإيمانية معرفةً جيدةً.

أجل، إن من الصعوبة حلول هذه المعاني الإيمانية السامية في بعض القلوب، ولذا ينبغي عدم إرغام الآخرين على تقبُّل هذا الأمر الصعب والتعامل معهم رويدًا رويدًا؛ فإن العمل على أن تنير هذه المعاني القلوب جميعها يتطلّب بلا شكٍّ صبرًا بالغًا، ومنهجًا يقتضي تأنيًا لا يمكن أن يدركه أو يستوعبه أصحاب الفطرة المتسرعة، الأمر الذي يؤدّي في النهاية إلى تمزيق الحواجز بين العبادِ والمعبود جلّ جلاله.

وحتى يتسنّى لنا أداء وظيفة الإرشاد بحقها لا بد من مراعاة بعض الخصائص التي سنحاول تقديمها موجزة الآن:

أولًا: لا بد من دراسة السُّبُلِ الموصلة إلى روح المخاطب، وهذا نمطٌ من أنماط التعامل الإنساني، ثم تطبيق المبادئ التي أمرنا بها دينُنا مثل التهادي ودفع أي ضررٍ يقعُ على المخاطب، وبهذه السبل يجب التواصل معه.

ورغم أن وضع هذه المسألة في قوالب مُعيّنةٍ يفيدنا من حيث الأفكار والرؤى إلّا أنه من الملاحظ أن هذا الأمر يحمل بعض الأضرار إذا ما قيمناه من حيث تجمُّد جوهر هذه المسألة وروحِها.

من أجل ذلك نرى من المناسب أن نقول حفاظًا على مرونة المسألة: لا بدّ من اتخاذ كل السبل المشروعة لِلْوُلُوجِ إلى قلبِ المخاطَب، يعني أنه لا بد للمخاطب الذي نحدثه عن ديننا أن يتقبل صداقتنا له أولًا، فهذا عامل مهم ولا غنًى عنه في تقبل المخاطب للأفكار التي سنطرحها عليه.

ثانيًا: المعرفة الجيدة للمستوى الثقافي والعقائدي لمخاطبنا، فمثلًا إن كان ما نقرؤه عليه من قرآن يؤدّي به إلى الجفول والفِرار منا وعدم التواصل معنا فيما بعد فلا بدّ من التوقُّفِ عن قراءة القرآن عليه في تلك الأثناء.

والحق أنني ذكرت مثال القرآن هنا تلميحًا إلى بعض الكتب الأخرى، فإن قراءة أي كتاب على من ليس عندهم أي استعداد روحاني لهو خيانة خفيّةٌ لدعوة الإسلام وإن كان كلُّ سطرٍ من هذا الكتاب يفيض بالإلهامات التي تفتح الأرواح والقلوب.

إن الله جل وعلا -عند إرساله الرزق للطفل حديث الولادة- يُجري له من ثديِ أمِّه سائلًا كالعصيدة يسمى “اللبأ”، ثم يتحَوَّل ذلك الشيء إلى لبنٍ حليب، وكلّما كبرَ الطفلُ كلّما تغيَّرَ شكلُ الغِذاءِ الذي نقدّمه له، وهذا هو قانون الفطرة الذي يسري تمامًا على تربية الروح وتغذيتها الروحية، إننا مضطرّون إلى أن نُدَقِّقَ في كل جملةٍ وحرفٍ ونقطةٍ من الأشياء التي أظهرها الله لنا في آياته التكوينية، ونوفِّق تصرفاتنا تبعًا لها.

وأحيانًا لا يجري هذا التوفيقُ فيؤدّي ما نشرحه في سبيل التبليغ والإرشاد إلى ردِّ فعلٍ لدى المخاطبين، حتى إنكم إن وجدتم مناسبةً بعد ذلك وحدثتموهم بما كنتم تُحَدّثونهم قديمًا فلن يُجْدِيَ هذا الأمر شيئًا.

ولذا فمن الأهمية بمكان الوقوف على مستوى الإدراك والاستيعاب لدى المخاطب، ويلخِّصُ “بديع الزمان” هذا الكلام بالمثلِ القائل: “لا تُلقوا اللحمَ أمام الحصان ولا العشبَ أمام الأسد”[1]، وهذا ما يعني أن نعاملَ الناس على حسب احتياجاتهم.

ثالثًا: كسب ثقة المخاطب، ينبغي أن يَثِقَ المخاطب فيكم ويتعلّق قلبُهُ بكم حتى إن وازن بينكم وبين كل محبيه رجحت كفَّتُكُم؛ لأن علاقتكم به لله ليس إلّا، وبما أن حبَّكم له لله فسيعمل هذا الحبُّ تأثيرَه في قلبه، ويحل هذا الحب والاحترام لكم محلَّ الحبِّ القائم على القرابة، بل وسيرجحه لدرجة أن أعباءَ التكاليف التي يتحمّلها وهو معكم قد ترجح -لذةً ومتعةً- جانبَ القرابة، بل يجب أن يُصْبِحَ كلُّ أنواع المخاطر المحتمل حدوثها في سبيل الهدف الذي تقدمون على الموت في سبيله وكل صنوف المعاناة المتوقّع تجشُّمها في هذا السبيل أحبَّ إليه من راحة الحياة السابقة ودعتها، وهذا يمكن أن يحدث بمعرفته الجيدة لكم وثقته العالية بكم.

وإليكم هذا المثال الواقعي والمنظر المثير من عصر السعادة: كان عتبة بن الوليد من أغنى أغنياء مكة، ومن ألدِّ أعداء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يُقالُ له “أشقى القوم”، كان على رأس معظم الفتن، وكل الأماكن التي تجاهر بمعصية الله تبارك وتعالى، ورغم ذلك ينشأ في بيته رجلٌ سعيد الحظِّ والطالع؛ ابنه “حذيفة” رضي الله عنه، لكن لا شبَهَ بين الابن وأبيه أبدًا، صحبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وضرب بالعروض الدنيوية الساحرة التي قدمها له أبوه ليثنيه عن اتباعه لدين الإسلام عرضَ الحائط؛ حيث كان شده المعنوي في الذروة، وعقيدته وقناعته سليمةً بما تلقَّاه من دروس على يد المعلم والمرشد العظيم صلوات ربي وسلامه عليه، هل تذكرون ماذا قال سيد الكونين صلى الله عليه وسلم عندما عرض عليه هذا العرض، قال صلى الله عليه وسلم: “وَالله لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ”[2]، فلقد أحدث قوله هذا تأثيرًا في القلوب والضمائر، وتمكّن منها حتى كان هذا ديدن جميع الصحابة عند جوابهم على مثل هذا العرض، لقد نَفَذَ المُعَلِّمُ الأوَّلُ إلى قلوبهم وتبوَّأَ المكان الأعلى فيها حتى إن أغلى الناس لديهم كالأبوين والإخوة والأقرباء لا تكون لأحكامِهِم قيمةٌ مقارنةً بقيمة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يبقى عزيزًا إلّا هو صلى الله عليه وسلم.

لم يتغيّر الشيء الكثير بالنسبة للمرشد والمخاطب، فجميع القضايا التي كانت تقع أمس بصورة مختلفة ما زالت تتكرّرُ اليوم ولو بصورة أخرى، إذًا لا بدّ أن يطبق المرشدون والمبلّغون سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفوذ إلى القلوب، وإلّا ستظلّ القضايا المطروحة معلقةً في الهواء ولن تحظى بحسن القبول.

هذه هي مسألة النفوذ إلى الأرواح، وعنوان استيطان القلوب، ولذا على كلٍّ منا أن يقول: إن لم يستطع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحبّب نفسه إلى أصحابه لهذه الدرجة أكان من الممكن أن يتبعوه ويأتوا معه إلى بدر، والظروف جميعها كانت ضدهم، وفي الجبهة الأخرى آباؤهم وإخوانهم وأعمامهم وأبناؤهم الذين من أصلابهم؟ لقد انصاع المسلمون للأمر الذي جاءهم من المقام الأعلى، وعلِموا أنّ الموت في سبيل الحق هو فضلٌ من الله تعالى ومحضُ اختصاص.

وأحيانًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطبهم وينبِّهُهم، وينفث في أرواحهم أن يكون هو أحبّ الناس إليهم.

فمثلًا تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحزمٍ وجلال مع “كعب بن مالك” الذي تخلّف عن غزوة تبوك، وقال له: “مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ”، فَقال: بَلَى، إِنِّي وَالله لَو جَلَسْتُ عِنْدَ غَيرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَومَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ الله، لَا وَالله، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَالله مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ”[3]، وهكذا عُفي عنه لصدق حديثه وثباته على باب الحق.

وهكذا لا بد للمرشد أن ينفذ ويَصِلَ إلى قلب المخاطب، ويجعله ينفّذ كل ما يطلبه منه، لكن عليه ألا ينسى ضرورة ألا يكون طلبه للمخاطب من أجل نفسه؛ لأن الذي يفعل ذلك هم الفراعنة والنماردة والشدَّادون وفقًا لما ورد في كتاب الله تعالى، أما الأنبياء فقد كانت كلُّ مطالبهم من أجل الحقّ تعالى وخدمة لأقوامهم، وهذه مسألة مهمّة لا بدَّ من مراعاتها حقًّا.

رابعًا: الإحاطة بالقضايا الإسلامية، فعلى الجميع ألا يتفلسف أو يُطنِبَ في ذِكْرِ ما يهوى، وألّا يهرفَ بما لا يَعرِف؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ”[4].

ومن ثم علينا ونحن نحدِّث الناس عن أمر في الدعوة الإسلامية أن يكون حديثنا في إطار هذين المصدرين الأساسيين وأن نحيط علمًا بالموضوع الذي نتحدّث حوله.

ولا بد ألا نميل في حديثنا إلى الجَدَلِ والإلزام، وأن تكون الأمور التي نحدِّث الآخرين بها أمورًا قد فهمناها واستوعبناها حتى يستطيع المخاطب أن يتلقَّاها ويستوعبها دون أدنى مشقّة، كما قال بديع الزمان سعيد النُّورسي: “إن العالم المرشد الحقيقي يَهَبُ للناس علمَه في سبيل الله دون انتظار عوضٍ أو أجرٍ ويصبح كالشاة لا الطير، فالشاة تُطعم بَهْمَتها لبنًا خالصًا، بينما الطير تُلقم فراخَها قيأها المليء باللُّعاب”[5].

فعندما تنفذ هذه المعلومات إلى أرواح المخاطبين سرعان ما تتحوّل الأرواح إلى خليّة عسلٍ للعلم والمعرفة، وإلا فإن كانت هذه المعلومات مثل القيء فلا يُتَصوَّرُ ذلك.

 لا ريب أن هذا يتطلَّب القراءَة والاستظهار وتوسيعَ دائرة الثقافة والمعرفة، من أجل هذا ينبغي لمن يقومون بوظيفة الإرشاد أن يُخَصِّصوا وقتًا معيّنًا للقراءة بصفة دائمة، فمن حُرم من ثقافة العصر لن يَمْلِك ما يقوله لمخاطبه، وبعبارة أخرى: فإن الإنسان السطحي في مستواه الثقافي لا يستطيع أن يروي ظمأ مخاطبه المشغول بإرشاده مدة طويلة، ولذا فعلى أي مرشد يتعامل مع مخاطبين في جميع المستويات أن يحيطَ علمًا بالموضوع الذي يُحَدِّثُ فيه مخاطبَهُ بالقدر الذي يروي ظمأه على الأقل، وعلى ذلك فإنني على قناعةٍ بأن من يتخلّف عن مواكبة عصره لن يملكَ ما يُقدِّمه لإنسان هذا العصر.

أجل، أُكَرِّرُ بإلحاحٍ مَرَّةً أخرى: إنّ مَنْ جعلوا الإرشاد بغيةَ حياتهم لا بد وأن يتزوّدوا بالعلم والمعرفة، لأنّ الداعية الفارغ ينزح من بئر معطّلة، علاوةً على ذلك فإن مثلَ هذه الطائفة من الناس تحاول جبرَ قصورِها في القضايا التي يُحدّثون الناس عنها باللجوء إلى الحِدَّةِ والعُنْفِ؛ الأمر الذي يجعل الحديث لا يحالِفُه القبول وإن كان عن مسألة منطقية يسهلُ فهمُها، وإنما يقع النفورُ كردِّ فعلٍ على أسلوب هؤلاء الذين تحدَّثنا عنهم آنفًا.

ندعو الله تعالى أن يقوم النورانيّون في عهد النور بإنارة العالم وتوجيه الأنظار إلى منبعِ النور، وأن يتزوّدوا بالمعرفة في كلّ ساحات العلم، وأن يملؤوا حِجر كلّ طالب علمٍ يقف على بابهم بالجواهر المحمديّة ويروُوا ظمأه.

خامسًا: اقترانُ جميع الأعمال بالصدق والإخلاص، وأن تكون الغاية منها دائمًا هي مرضاة الله تبارك وتعالى، وأن تُهيَّأَ كلُّ الأعمال وفقًا لذلك، فإن كانت هذه الأعمال في مرضاة الله عملناها وراعيناها وإلّا فعلينا أن ندعها ونصرفها عنا، ولا نتسبَّبَ في خداع أحد.

فلقد اختزلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الجهادَ في سبيل الله بما كان في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى.

يعني: لو كان كفاحنا في سبيل إعلاء كلمة الله فهذا من أجل الله، وإلا فنحن نتراءى بأنفسنا بِخُطَبِنَا وكُتُبِنَا؛ وحينذاك ينعدم الإخلاص فنُحْرَمَ ثوابَ أعمالنا، فإن أصيبَ الإخلاصُ أو تخلّلَهُ شيءٌ فلا حديث إذًا عن رضا الله أو النفوذ في قلوب الناس.

وقد اضطلع الأسبقون بالقيام بهذا العمل بإخلاص، حتى إنهم إن حدَّثَتْهم أنفسهم بِعُذُوبَةِ منطِقِهِم وبلاغةِ حديثهم كانوا يجثون على ركبهم ويقولون: اللهم ارزقنا الإخلاص في كل أمرنا وفي كلّ شأننا، ومنهم على سبيل المثال “عمر بن عبد العزيز” رضي الله عنه، فلقد كان -حينما يرى خطابَهُ بليغًا للغاية- يمزِّقه ويطرحه أرضًا خوفًا أن يداخله الكبر والغرور، ثم يَكْتُبُ خطابًا آخر.

وهكذا كانت تُشرح القضايا الإسلامية في تلك الفترة في مثلِ هذا الجوّ من الإخلاص المحضِ، وكأنَّ هؤلاء جعلوا مبدأهم الحديث عن ربّهم في جوٍّ لا ترغبه أنفسهم، ولربما قالوا: ما دامت النفس لا تأخذ حظّها من مثل هذا الحديث فهذا يعني أن هناك إخلاصًا في العمل، واتخذوا من هذا دستورًا لحياتهم.

ولعلّ قراءنا الأعزاء لهذه السطور قد مرُّوا بتجارب كثيرة من مثل هذا النوع، ولذا أعود فأكرّر بأن الإخلاص والصدق هو حياةُ القضايا التي نشرحها وروحُها، فإذا أردنا ألا تشهد علينا أقوالُنا وأعمالُنا فعلينا أن نتحلّى بالإخلاص.

سادسًا: على المبلِّغ أو المرشِد أيًّا كان مستواه أن يزوِّد قلبَه بالعلوم الدينية وعقلَهُ بالمعارف الحديثة، وأن يتعمق في مراقبته الداخلية بتشغيل قابلياته واستعداداته التي لا تعمل إلا بِكِلا الأمرين معًا، ولا بد للمبلغ والمرشد أيضًا أن يكون لدنِّيًّا بقدر ما استطاع في هذه المسألة وفقًا لمستواه وشخصيته، وهذا أيضًا مرتبط -من ناحية- بالموضوع الذي تطرقنا إليه آنفًا، يعني لا بدّ من توسيعِ دائرة الإخلاص والصدق.

ولقد رَكَّزَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثيرٍ من أحاديثه على الإخلاص، وبين أنه أعلى أفقٍ بالنسبة للإنسان.

وعندما يتحدَّث القرآن الكريم عن كثير من الأنبياء يتحدَّثُ عنهم من خلال هذه الصفات، ويُبَيِّنُ أن الإخلاصَ جزءٌ لا ينفكُّ عن النبوّة.

ولقد وصفَ القرآن العظيم سيدَنا موسى عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ (سُورَةُ مَرْيَمَ: 19/51)، معبرًا بأوجز الأساليب عن أن موسى عليه السلام ما كان يسلك سلوكًا أو يعمل عملًا إلا من أجل رضا الله تبارك وتعالى، وهذه العبارة تلقِّن المؤمنين درسًا في الإخلاص.

فلقد تربَّع سيدنا إبراهيم عليه السلام على قِمَّةِ مفهوم الإخلاص والوعي به، فلم يتزعزع أو يساوره الشكُّ لحظةً حتى في أحلَكِ الأوقات التي تجري فيها الأمور في غير صالحه، بل لقد رفضَ عرضًا مشروعًا من الملائكة كإعانتهم له وقال: “علمك بحالي يغنيني عن سؤالي”، ورد عرض الإعانة الذي قدمته له الملائكة بقوله: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، وعلى ذلك فإن رضا الله من الأهمية بمكان، فلم يكن بوسعه أن يلقي بظلال طلباته المشروعة على هذا الأمر؛ لأنه يوصف بأنه خليل الله، والخليلية تتطلّب هذا.

فلا يعرف الجوهر إلا من يعلم قيمتَه! وبما أن الإخلاص والصدقَ وصفٌ نبويٌّ فلا بدّ أن يتحلّى بها كلُّ إنسان يتَّخذ من الدعوة وظيفةً وواجبًا، والقرآن الكريم يصف كل الأنبياء بالإخلاص، ويُخبرنا بأن الحقّ جل وعلا قد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالإخلاص، وإنني على قناعةٍ بأنّنا إذا ما دخلنا إلى القرآن الكريم من هذا الباب فسنجدُ من المنافعِ الجمَّ الكثيرَ.

أجل، على من يقومون بوظيفة الإرشاد والتبليغ بدلًا من الاهتمام بأمور تافهة مثل: إرغام الآخرين على قبولهم، والاعتقاد بالتأثير فيهم، وامتداحهم بكثرة أتباعهم؛ أن يحاسِبوا أنفسهم على أقوالهم وأفعالهم هل هي تتوافق مع رضا الله سبحانه وتعالى أم لا، فالمراقبة تعني محاسبة الإنسان لنفسه بنفسه، وهي ركيزةٌ من ركائز عملية الإرشاد والتبليغ.

على الإنسان أن يُراقب نفسَه متسائلًا: لماذا أفعل ما أفعله؟ فإنْ دَاخلَ هذه المسألةَ شيءٌ من هوى النفس والأنانية فعلى الإنسان أن يتوقّف على الفور.

لنفتَرِضْ مثلًا: أنك تجلس في مكان ما مع جماعة من الناس تقرأ لهم كتابًا نورانيًّا، فهذا الفعل في حدِّ ذاتِهِ حسنٌ وجميلٌ، ولكن إن انتبهتَ قليلًا ستجدُ أنَّ أمرَ القراءة قد سيطر عليك أكثر من المسائل التي يحملها هذا الكتاب، وستدرك أن القراءة هي التي تجذبك وتروق لك ليس إلا، ومن ثَمَّ ينبغي لك حينذاك أن تتوقّف عن القراءة أو تغلقَ الكتابَ أو تعطيه لغيرك ليقرأ بدلًا منك.

أو لِنَقُلْ مثلًا إنك تعمل واعظًا، تعظ الناس، ونلت بفضل الله وكرمه مقامَ البسط حتى إن الكلمات تنساب منك تلقائيًّا وكأنك تحرك شفتيك فقط، فعليك إذًا في هذه اللحظة أن تنتبه إلى من أنطق لسانك، وتُفكِّر في صاحب هذا الفضل، وتُنكّسَ رأسك إلى الأرض إذعانًا له، فإن حدث ودَاخلَك شيءٌ من هوى النفس، واعتقدتَ أنت أيضًا بهذا؛ فلا بد إذًا أن تقطع حديثك وتنزل عن المنبر على الفور، فحسن الكلام أحيانًا ما يكون فتنة، وعلى الإنسان أن يستعيذ بالله دائمًا من الفتنة، كم من خطباء جاؤوا إلى الدنيا وساقوا الناس وراءهم وربما هم الآن- باستثناء المخلصين بالطبع- يحاسَبُون على كلامهم في الآخرة.

ولنضرب هنا مثالًا واقعيًّا: لنقل مثلًا إننا نقرأ كلّ يومٍ وردًا قرآنيًّا بلا انقطاع، وننزعج إذا لم نتمكن من قراءته، إن شئتم فأطلقوا على هذه المسألة عادةً أو إلفًا، ومن المفترض أن هناك جماعةً تنتظرنا لنلقي عليها الدرس، ولم نكد نقرأ بضع آيات من وردنا القرآني حتى يخيل لنا أننا ربما نقرأ هذه الآيات حتى نجمّلَ وندرّبَ أصواتنا قبل الخروج إلى الدرس، فنقع في جفول وذهول، رغم أن هذا هو وردنا القرآني كلّ يوم، ولكن يساورنا القلق في الاستمرار في القراءة من عدمه، خشيةَ موافقة التلاوةِ غايات أخرى سوى رضا الله سبحانه وتعالى، ونبتهل إلى الله قائلين: اللهم إني شرعت في القراءة من أجلك وأتركها الآن من أجلك أيضًا، ثم نغلق المصحف ونقوم.

أجل، إننا مضطرون إلى أن نهيّئ أنفسنا بالمراقبة الداخلية وفقًا لما ينبعث من أعماق قلوبنا وإلا تعذر علينا أن نؤثّر فيما حولنا.

علينا أن نمحو ذاتيتنا وأن نتنازع مع أنفسنا في قرارة أنفسنا، وأن نتحرى رضا الله في هذا النزاع، وأن نسعى في سبيل رضاه سبحانه وتعالى.

ولمثل هذه الحالة الروحية مظاهر تبدو وكأنها غريبة بعض الشيء أحيانًا، فقد يهزّ الإنسان رأسه أو ينكّسها أو يئن ويكابد أو يسجد ويتلّوى، ولكن لا ريب أن الإخلاص سيصبح سلوكًا اعتياديًّا مع الوقت في كل تصرفاته، ويفعل الإنسان كل ما يفعله في غاية السهولة براحة واطمئنان من أجل الله، ويدعه من أجل الله، ويجلس ويقوم من أجل الله.

علينا أن نبتهلَ إلى الحقّ تبارك وتعالى على الدوام أن يرفع قدرنا بالصدق والإخلاص وفقًا لعجزنا وفقرنا لا لأهليَّتِنا.

سابعًا: إن كان شرحُنا لمسألةٍ سيُزعِجُ طائفةً من الناس فعلينا أن نحيل شرح هذه المسألة إلى الآخرين قائلين: “رضا الله أولى فالحقُّ يعلو ولا يُعلى عليه”، وليس كذلك فقط بل لا بد أن نستحسن شرح الآخرين للمسألة.

 

السابق

وهنا نُكتَةٌ لطيفة لا بد من الانتباه إليها: وهي التفريقُ بين الرضا بشرح الآخرين للمسألة وبين استحسان هذا الشرح، وعلى ذلك فعلينا أن نستحسن هذا الأمر وفقًا للجانب الثاني، وهذا من الأمور التي لا تحبّذها النفس مطلقًا، رغم أنها شجاعةٌ وإحسان.

قد ينزعج بعضُ الناس منّا لأمرٍ يتعلَّق بنا، وقد يُحدث ما نشرحه تأثيرًا سلبيًّا فيهم، وفي هذا الوضع لا يختلف همُّنا وسعيُنا لشرح الحقّ والحقيقة عن سعينا لعدم تقبُّلهم ما نحدثهم به، وبناءً على ذلك يتضرَّر السامع لعدم تقبُّله الحقَّ، ونُلحق نحن أيضًا الضررَ بأنفسنا لأننا أصبحْنا حائلًا بين هؤلاء وبين تقبُّلهم للحقّ، والحلُّ هنا يكمن في أن يشرحَ المسألةَ شخصٌ غيرنا، وسنحظى أيضًا بالثواب نفسه الذي حصله الآخر في سبيل تقبُّل السامعين للحقِّ لأننا كنا وسيلة فيه.

علينا ألا نُرَحِّبَ بطلب التحدُّثِ وإلقاء الكلِمات، كما لم يرحب النبي صلى الله عليه وسلم بطلب الإمارة من أبي ذرٍّ رضي الله عنه، بل كان يعهد بها -بِحُكْمِ صلاحيّاته- إلى أهل اللياقة والخبرة.

ومن ثَمَّ فإن كان هناك شخصٌ بوسعه أن ينفذ إلى قلوب الناس أكثر منا، ويشرح قضية ما على نحو أفضل منا؛ فعلينا أن نهيِّئ له الفرصة للحديث، وعلى الآخرين ألا ينزعجوا من وجودهم بين المستمعين.

ثامنًا: علينا أن نعترف -بارتياح- بعدم المعرفة إذا ما صادفتنا مسائل لا نعرفها، وأن نقول: لا نعلَم، فكما قالوا “نصفُ العِلمِ لا أعلم”.

ولقد ضرب لنا مرشدنا ونبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في هذا الموضوع.

ذات يوم سأله اليهود عن الروح، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجب على هذا الموضوع الذي لم يطّلعْ عليه بعدُ رغم ما هو عليه من مكانة جليلة.

أجل، لم يُجب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا السؤال العدائي الذي طرحه الخصوم الذين حاولوا إثارة الشبهات والشكوك حول نبوته، وبعد مدة نزل قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 17/85).

فكان لسكوت النبي صلى الله عليه وسلم وتبليغِه هذه الآية بعدما نزل عليه الوحي التأثير الأبلغ في نفس المخاطبين، فكمّموا أفواههم بعد تلقّيهم هذا الجواب الدامغ.

وما كان تفضيلي لهذه الآية إلا لطرح مثال واقعي عليكم، وليس للحديث عن الروح، يعني أنه لم يقل: “أعرف” على كل مسألة عُرضت عليه، ويا له من درس عظيم لنا لو نتعلّم! ولما نزل عليه جبريل عليه السلام يومًا وقال: متى الساعة؟ ماذا كان رد النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان؟ قال صلوات ربي وسلامه عليه: “مَا المَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ!”، فهل هناك أبلغ من هذا المثال الذي يوضح أننا لسنا مضطرين إلى الإجابة على كل سؤال.

كانوا يسألون الإمام أبا يوسف مائة سؤال، فلا يجيب على ستين منها ويقول: لا أعلم. فقالوا له: يا إمام، ندفع لك راتبًا، وتقول لا أعلم على ستين سؤالًا؟ فقال الإمام أبو يوسف: إنكم تدفعون لي راتبًا على ما أعلمه، فإن لزم أن تدفعوا شيئًا على ما لا أعلم لما كفتكم الدنيا كلها.

كان الإمام أبو يوسف يتربع على عرش الفتوى حينذاك حتى كان يلقب بـ”قاضي القضاة”، ورغم ذلك يقول: لا أعلم.

ونقل عن الإمام مالك أنه سُئل عن ثماني وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين منها: “لا أدري”

كذلك أبو حنيفة سُئِلَ عن تسع مسائل فقال فيها: “لا أدري”.

فمثل هذه النماذج توضّح أن هذه القامات العظيمة شرفًا وكرمًا ما كانت تجيب على كل سؤال يُطرح عليها.

فعلينا أيضًا أن نعترف بعدم معرفتنا إزاء ما لا نعرفه، ولكن لا نترك المسألة هكذا؛ بل نصحب مخاطبينا إلى من نرى أنهم أفضل منا في معرفة القضايا المطروحة، ونتعلم، ونهيِّئ الفرصة لغيرنا حتى يتعلموا.

تاسعًا: ينبغي لرجل الإرشاد والتبليغ أن يكون جوادًا كريمًا، وأن يضحّي بما يملكه في سبيل دعوته، وأن يتخذ من جُودِهِ بُراقًا لفتح القلوب.

وعندما أتكلم عن الجود والسخاء لا أتمالك مشاعري وأتذكر على الفور أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها.

ولدت السيدة خديجة رضي الله عنها قبل النبي صلى الله عليه وسلم بِسَنَهات عدة ورحلت عنه أيضًا قبل رحيله بِسَنَهات عِدّة، ولعل هذا التبكيرَ مشتقٌّ من اسمها؛ فإن خديجة تعني: المولودة قبل أوانها، عندما تعرفت بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن صلى الله عليه وسلم يملك من حطام الدنيا شيئًا، أما السيدة خديجة فكانت ثريةً في المالِ، درّةً في الجمال، حسيبةَ النسبِ طيّبةَ الخِلالِ، ورغم هذا فقد حدسَتْ المعنى الكبير الذي يحمله هذا النبي الكريم، وعرضت عليه الزواج، وتزوّجا فعلًا.

ولقد جهَّزت كثيرًا من القوافل التجارية، وكانت صاحبةَ الكلمة فيها، وأنجبت للنبي صلى الله عليه وسلم عددًا من الأولاد، ثم ارتحلت دون أن تُدرك عهدَ المدينة، وهذا أيضًا من الأمور التي تؤثّر في نفسي تاثيرًا بالغًا، فعندما أتذكّر هذا الموقف لا أتمالك عيوني وأجهشُ بالبكاء.

كانت هذه السيدة العظيمة -التي كأنّها ما خُلِقَتْ إلا لتصبح زوجةً لنبيّ- سخِيّةً كريمةً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فلما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغِ رسالَتِهِ صدّقَتْهُ وآمنت به دون تردُّدٍ وكأنها كانت تعلم مسبقًا أن زوجها سيُعهد إليه بمثل هذه المهمة، ثم وضعت كلَّ ثروتها تحت تصرُّفه صلى الله عليه وسلم، فأنفقتها كلها في سبيل الله، ولم يبق منها شيء وقت المقاطعة الاقتصادية التي ضربها الكفار على المسلمين في شِعبِ أبي طالب، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كاد يُغمى عليه من شِدّةِ الجوع، ولم يجد ما يأكله صلى الله عليه وسلم؛ حتى ولو من الخبز الجافِّ، ولَزِمَتْ السيدة خديجة الفراشَ، ولم يستطيعوا توفيرَ العلاج لها بسبب ما حلّ بهم من بؤسٍ وفقرٍ، ورحلت رضي الله عنها إلى الرفيق الأعلى فقيرةً مسكينةً، فغاب الأفق الأخير في الجود والسخاء، ووصلت أمُّنا السيدة العظيمة خديجة رضي الله عنها -التي نفديها بكلّ أمّهاتنا- قبلَ الجميع إلى ذلك الأفُقِ.

وكان سيدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه يُلهي أباه بحصَوات من الحجارة يضعها في جرّته؛ ليوهِمَهُ بأنها مالٌ ومتاعٌ، ويُنفِقُ كلَّ ماله في سبيل الله، حتى إنه افتقَرَ بعد تولّيه الخلافة، لدرجة أنه اضطر أن يكسبَ عيشه بكدِّ يمينه وعَرَقِ جبينه، وحَلْبِ شياهِ الآخرين، لقد ضرب مثالًا رائعًا في الجود والكرم وضحى بكلّ ماله في سبيل الحقّ، مع أنه صاحَب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار والهجرةِ، وكانَ سيدَ الصديقين، وواحدًا من أغنى أغنياءِ مكّة قبل الإسلام.

وكان سيدنا “عمر الفاروق” رضوان الله عليه يتعيّشُ على بضعِ تَمَرَاتٍ كأفقر رجل في المدينة المنورة؛ يعني كان فقيرًا من الناحية المادية.

وكأنَّ كلَّ الصحابة كانوا يتنافسون فيما بينهم في هذا الموضوع، فلقد فتحوا القلوبَ والأفئدةَ بما قدَّموه من سخاء وَجودٍ في سبيل الله، فكان يتوالى دخولُ الناس في دين الله أفواجًا؛ لأنهم درسوا هذا الموضوع ككلِّ الموضوعات الأخرى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أنس بن مالك: “إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسلِمُ ما يُريدُ إِلا الدنيا، فَمَا يسلمُ حَتى يَكُونَ الإِسلامُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنَ الدنيا وَمَا عَليهَا “، وروى أن رجلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَينِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَومَهُ فَقَالَ: “أَي قَومِ أَسْلِمُوا، فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ”[6].

ومن ثم على كل مرشد ومبلغ شابًّا كان أو شيخًا أن يسعى إلى فتحِ القلوب بهذه المفاتيح والوسائل،

فمن أنفق ماله في سبيل الله، وكان وسيلةً لهداية شخص إلى الإسلام؛ كسب شيئًا كثيرًا، وما ضيّع شيئًا ألبتة.

سيَفتح بابَ الجنة الكرماءُ، فافتحوا أنتم أيضًا السبل التي توصِلُ إلى هذا الباب في الدنيا وخذوا بأيدي الكثيرين معكم إليه، وبهذا السلوك فإن من يتعاملون معكم سيصلون إلى مستوى يؤثرون معه الله ورسوله على كل ما سواهما.

أجل، ليس العلماء والوعّاظُ والمشايخ هم أول من يدخلون الجنة، بل هؤلاء الكرماء من تُجَّار وحِرفيين أيًّا كان مستوى دخلهم، لأنهم بذلوا مالهم وأرواحهم في سبيل الله ونَشْرِ الحقِّ والحقيقة.

أجل، إن هؤلاء تقرَّبوا إلى ربِّهم بإنفاقِ أشياءَ فانية، فكسبوا أشياءَ باقيةً، فكتب لهم الخلود.

عاشرًا: أريد هنا أن أنوِّه إلى نقطة لها شيء من الخاصية، ألا وهي: أننا نرى الآن بوضوحٍ مشهدًا كان يتعذّر علينا أن نراه قبل خمسة عشر أو عشرين عامًا حتى في أحلامنا، وهذا من فضل الله اللامتناهي علينا.

إننا قد تجاوزنا حتى في العالم الإسلامي تلك الفترة التي يحتاج فيها الدعاة والمرشدون شهورًا لتحديث الناس بالحق والحقيقة. أجل، إنني وأمثالي ما زلنا نذكر تلك الأيام التي كنا إن سمعنا فيها أو رأينا طالبًا جامعيًّا يصلي تأثَّرْنا للغاية وسُرِرْنا سرورًا بالغًا وكأننا تقابَلْنا مع الخضر أو جبرائيل عليهما السلام.

كانت تلك الأرواح التي تذوَّقت حلاوةَ الإيمان تركضُ هنا وهناك، وتجري شهورًا أحيانًا وراءَ إنسان لا حظَّ له من الإيمان؛ حتى تطرح عليه تلك الرسائل النورانية التي تملأ عوالمهم الداخلية، ولكن دون نتيجة إيجابية قطّ، بيد أن الوضع الآن قد تغيّر، وأصبحَ من يتبنّى مثل هذه المسائل الجماعاتُ وليس الأفرادُ، إننا قد أدركنا عصرًا لانَتْ فيه حتى قلوب أكثر الناس تمرُّدًا فأخذوا ينظرون إلى القضايا الإسلامية على أنها محتملة الحدوث، ومن ثم فإن الوظيفة الملقاة على عاتقنا حاليًّا هي استغلال المناهج وتجريب الأساليب الجديدة شريطة عدم الابتعاد عن جوهر الإرشاد وروحه، وإلا فلا ريب أننا سنُصاب بما أُصِيبَ به هؤلاء الذين ضيّعوا كلَّ أعمالِهم لعدم استيعابهم لعصرهم ومواكبتِهم له، نستعيذ بالله من التردّي إلى هذا الوضع، إذًا نحنُ مضطرّون إلى أن نواكبَ كلَّ ما هو حديث من أجل أداءِ وظيفة الإرشاد أداءً تامًّا يتوافقُ مع متطلبات هذا العصر، ويجب ألا ننسى أننا بِقَدْرِ تأخُّرنا في مواكبة عصرنا بقَدْرِ ما سنتأخّر في الوصول إلى غدٍ سعيدٍ.

وانطلاقًا من هذه النقطة يمكننا أن نصل إلى قاعدة عامّة وصالحةٍ للجميع؛ وهي أنه يجب على من يقومون بوظيفة الإرشاد والتبليغ أن يستوعبوا عصرهم ويوطِّنوا إرشادهم على هذا الأساس، وبدهي أنه لا سبيل إلى التوصل لأيِّ نتيجةٍ مُجديّةٍ ومُرضيةٍ من خلال جرّ الناس إلى دهاليز مظلمة في فترةٍ انفتح فيها الآخرون على الفضاء.

 الحادي عشر: من الخصائص المهمّة جدًّا في عملية الإرشاد والتبليغ تطبيقُ الأصول والمناهج التي تيسِّر عودة الجموع الضالّة إلى أصولها عن طريق الاستفادة من الحالة الروحية للجماعة.

وإن مراعاة بعض القضايا التي عجزتم عن تقبل الآخرين لها رغم تحديثكم لهم بها سنين عددًا، وسبرَ أغوار بعض هذه المسائل، ونقلَ العشق والانفعال الراسخ في القلوب المؤمنة إلى الآخرين له من الآثار العظيمة ما له؛ وليس الخبر كالعيان.

وعلى ذلك فإن عرضَ القضايا الإسلامية على من حولنا دون اللجوء إلى أي تمييز، وفي جوٍّ بعيدٍ عن مفهوم الحزبية الذي يقفُ سدًّا منيعًا دون استمرار الدعوة يؤثّر أحيانًا في مخاطبينا وبالتالي في تقوية قوتهم المعنوية حتى إنهم يجتازون على وجه السرعة ذلك الفراغ الذي كانوا يعيشونه لسنوات عدة، بل ويتكاتفون ويقفون معكم على خطٍّ واحدٍ، يمكننا أن نفكر في هذا بالنسبة للجماعات، ولقد أصبحت اليوم المؤسسات التعليمية الخيرية التي أنشأها رجال الخير تسير على رسم بياني يرتقي ليرسم البسمةَ على وجه الأصدقاءِ ويُذكيَ الضيقَ والجنون في صدور الأعداء، فللَّه الحمد والمنّة على إحسانه علينا بهذا الفضل الكبير، وندعوه سبحانه وتعالى أن يجعل ما تحدثنا به من باب التحديث بالنعمة! آمين.

[1] بديع الزمان سعيد النُّورسي: اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء السادس عشر، ص 368.

[2] ابن هشام: السيرة النبويّة، 1/266.

[3] صحيح البخاري، المغازي، 82؛ صحيح مسلم، التوبة، 9.

[4] موطأ الإمام مالك، 5/1323.

[5] بديع الزمان سعيد النُّورسي: الكلمات، اللوامع، ص 829.

[6] صحيح مسلم، الفضائل، 57، 59.

فهرس الكتاب