Reader Mode

الحقيقة إن الإسلام في عالمنا، كان -وما زال- مصدرَ غذائنا الأصل كحليب أمهاتنا، وكان له الدور الأساس في توجيه مشاعرنا وأفكارنا وتقويماتنا، وكان رفيقَنا في بيوتنا، وهواءَنا الذي نتنفسه في حياتنا أبدًا، ولم نشعر قط بغربةٍ أو وحشة حياله. وبالمقابل، فكم طَرقتْ الأيديولوجياتُ والمبادئُ الغريبةُ المَنشَأِ أبوابَنا وهزت نعراتُها أزِقَّتَنا، لكنها لم تَلِج دواخلَنا، ولم تمتزج بأرواحنا، ولم تَكُنْ لنا أو نكن لها البتة؛ بل أثارت حفيظتنا من أول وهلة، لغرابة صورها ووجوهها، وأثارت شكوكنا فيها، وتقززت بيئتُنا الفكريةُ منها، فلم تجد لها محلاً في جسم أمتنا إلا بمقدار الضعف الذي أصاب جهازنا المناعي.

إن الإسلام لا يحتاج إلى دعايات كحاجة الأيديولوجيات والمبادئ المستوردة من الخارج؛ فمرجعيته هو ذاته وسلوكياتُ ممثليه الأوفياء.

بالإسلام تعلقت روحنا !

لقد كان الإسلام -وما يزال- يحتضن حياتَنا وحاجاتِنا وهياجَ مشاعرنا، بحيث إننا وجدناه قريبًا منا في وطننا إلى درجةِ أن كثيرا من حركاتنا كادت يصطبغ بشيء كثير من ألوانه؛ فصبغته في سلوكياتنا وأعضائنا، ومَدُّه وجَزْرُهُ في أذهاننا، وصوتُه ونَفَسه في قلوبنا، وآثارُه على وجوهنا، وثَفِناتُه في رُكبنا وكعوبنا، وفواصلُه المُريحة لنا إبان تَعَبِنَا، وإلهاماتُه الداعية إلى التفكر إبان راحتنا، وتصرفاتُه في أرواحنا، ومشاركته لنا في أموالنا، وكونُه صاحبَ القول الفصل في حياتنا الفردية والعائلية، وحضُّه الصادقُ لنا على التحابب والتعانق فيما بيننا، ووعوده بالخلود في انبعاث آمالنا وأمانينا، وحلوله المتوازنة التي ينشرح لها القلب في مسائل الحق والعدالة والمساواة… كل هذا ربَطَـنَا به من أعماقنا، بل جَعَلَنا مُدمِنين عليه، حتى إنه لو تخلى عنا يوما -لا سمح الله- فأظن أننا سنهلك همًا وغمًا وكمدا.

الجمع بين سعادة الناس ورضا الله

لقد استغلت نُظُمٌ معلومة قِيَمًا مثلَ الحق والعدالة والمساواة والأمن العالمي كوسيلة للوصول إلى أهداف معينة، أو لتحقيق بعض المبادئ والتعاليم. أما الإسلام، فقد تَطلَّع إلى هذه القيم العالمية في نقطة الالتقاء بين سعادة الناس ورضا الحق تعالى، فحَقَّق إرادةَ الله تعالى ومطالبَ البشر في آن واحد. وهو يطالب المسلمين بأن يتمسكوا هم أيضا بهذه النقطة. وبناء على هذا فالمسلمون إذا رعوا “الحق” و”العدالة” و”المساواة” بدرجةِ أهمية الموضوع، ولم يستخدموا هذه الأفكار السامية كمطايا لتلبية رغباتهم الجسمانية والنفسانية، وأداموها مشدودةَ الوثاق بالحق تعالى، فليس ببعيد أن يصلوا -إن لم يكن في العاجل ففي الآجل- إلى مقام يُغبَطون عليه.. هذا المقام هو مقام فيه يحبون الله، ويحبهم الله، ويغبطهم البشر. إن الدافع الأول في حيازة هذا المقام هو قوة الإسلام التي لا تُقهَر، ونمطُ حياةِ المسلمين المغبوطة.

للإسلام الدور الأساس في توجيه مشاعرنا وأفكارنا وتقويماتنا، وكان رفيقَنا في بيوتنا، وهواءَنا الذي نتنفسه في حياتنا أبدًا، ولم نشعر قط بغربةٍ أو وحشة حياله.

هل يحتاج الإسلام إلى دعاية ؟

إن الإسلام لا يحتاج إلى دعايات كحاجة الأيديولوجيات والمبادئ المستوردة من الخارج؛ فمرجعيته هو ذاته وسلوكياتُ ممثليه الأوفياء. إنه يحث دائما على الوقوف بجانب الحق والنهوضِ به، ويَعُدُّ توقير الحق واحترامَه أكبر العبادات. يقول “محمد عاكف” في بيت له (ترجمته):

“الحق مِن أظهرِ أسماء الخالق الحسنى والتي ما لها عد…

فما أعظمه شرفًا أن يَنهضَ العبدُ بالحق وعنه يذودَ”.

فقد قال هذه الفكرةَ اللطيفة في إطار تلك النكتة الفريدة المذكورة آنفًا، ونحن نعدُّها صوتًا ونفسًا لحقيقةٍ لن نتخلى عنها أبدًا.

الإسلام يتحرك أبدًا وفاقًا لقاعدةِ “القوةُ في الحق”، ولا يستسلم أبدا لتسلط القوة الظالمةِ أو الجامحة. فهو يقف منتصبًا ويمشي رجولةً، لا يُشجِّع الظلم، ولا يخضع للظالم، فيقول كما قال “الشاعر باقي” (مترجمًا):

“لن يشوب وجوهَنا للأرذال تذللٌ…

لِدنيا دنيئةٍ…

وبالله اعتصامنا وعليه التوكل”…

ثم يمضي إلى غايته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ، طـ2، ٢٠١2، صـ98.

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

 

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts