في البداية لم تكونوا مهيَّئين للانفتاح على العالم. سواء من الناحية البيداغوجية أو السيكولوجية أو الاجتماعية. تريدون أن تنفتحوا على الإنسانية، أن تبنوا مدارس، أن تؤسسوا مساكن للطلبة، أن تنشئوا جامعات. ستلتقون بديانات مختلفة وثقافات متنوعة لا تعرفونها. طبائع مختلفة، أمزجة مختلفة، فهوم مختلفة. انطلقتم إلى أرجاء العالم دون أن تتلقوا أدنى تدريب في هذا الباب. كان لديكم رأسمال وحيد. لا أستخف بهذا الرأسمال، لكنه كان قابلا للتنفيذ من قبل الجميع. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا. الذين ينطلقون بإيمان، وينجزون أعمالا صحيحة قوية مدروسة صالحة سيجعل الرحمن لهم الود في قلوب أهل الأرض والسماء، ويضع لهم القبول في كل مكان ولو كانوا اليوم قلة وضعفاء.

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. إخوانكم آمنوا بالله حقا، وأدوا جميع أعمالهم دون خلل أو تقصير. لم يعكروا إنجازاتهم بالرياء، ولا حب الشهرة، لم يلوثوا أعمالهم بحب الدنيا، لم يشوّهوها بشهوة السلطة والمقام والتطلع إلى المناصب، لم يطمحوا إلى أن يكون لهم شأن دنيوي عال. لم يلوثوا هذا الخير. هذا هو معنى “الصالحات”. أنجزوا عملا صحيحا قويا لا عيب فيه ولا خلل. وبالتالي تكونت “دائرة صالحة”، وانطلقت العجلة. ساروا في هذا الطريق. سيجعل لهم الرحمن ودا. حرف السين تدل على المستقبل، وتعني أنهم إن ثبتوا على هذا الطريق، سيضع الله لهم القبول بعد مدة في الأرض والسماء. الود شيء أعمق من المحبة، أي ستكنّ لهم القلوب محبة خاصة.

هؤلاء عاشوا عيشة الزهاد، بذلوا بسخاء، أعرضوا عن ملذات الدنيا، بل تركوا آباء وأمهات يبكون من ورائهم في كثير من الأحيان.. تركوا زوجات جديدات.. تركوا أطفالا صغارا.. أنا على يقين بأنكم نويتم هجرة إرادية لكي يفتح الناسُ قلوبَهم لاسم الله الجليل ولكافة مبادئكم وقيمكم الأصلية والفرعية. وفي المقابل وضع الله لكم القبول في الأرض والسماء، فُتِحت لكم القلوب.

تصوروا أن أعوان الشيطان وعبيد النفس الأمارة بالسوء يعملون منذ سنوات ليشوشوا الأذهان، ليحدثوا خللا في موجات أثيركم، وليفسدوا الشفرة، ولكن غاب عنهم القبول الذي وضعه الله في القلوب، غاب عنهم ذلك الود. فُتِحت لكم القلوبُ على مصاريعها. هؤلاء المغرضون ذهبوا إلى بعض البلدان عشرات المرات، هددوهم أحيانا، وألقوا بين أيديهم أطنانا من الأموال أحيانا أخرى، اختلقوا ألف نوع من الأكاذيب للتشويش أحيانا أخرى، لكن لم يستطيعوا أن ينتزعوا الود الذي وضعه الله لكم في القلوب.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts