الهمّ هو أكثر الأدعية قبولاً | موقع الأستاذ فتح الله كولن

إنّ حالة الاضطرار وقلة الحيلة هي مرحلةٌ مفعمةٌ بالهم والأسى على المستوى الفردي والاجتماعي، والهمُّ هو أكثر الأدعية قبولاً من قبل الله سبحانه وتعالى.. لقد كانت تتوالى على الأمة أحيانًا فترات من الهم والأسى؛ فيشعر أفرادها بأنهم عديمو الحيلة وينقطع رجاؤهم وأملهم في كل شيء، ويتلوّون من الداخل.. فلو أن هؤلاء الناس في مثل هذه الحال لا يشتكون ولا يتذمّرون، بل يعرضون فقط حالهم على ربهم، ويرفعون أيديهم إليه بالدعاء ويتضرعون إليه؛ فسيكون حالهم هذا بمثابة أكثر الأدعية قبولاً بالنسبة لهم.

وفي الواقع أنه إن ساءت الأحوال الاجتماعية وتكدَّرت، وارتفعت جلجلة الظالمين في كل بقاع العالم، وتعالَى أنينُ المظلومين، وتكالبت الهموم على المجتمعات خلّص الله تعالى القلوبَ المؤمنة من هذه الذلة التي تردّوا فيها، ومهّد لهم السبل لوراثة الأرض، وهذا لا يتحقق إلا بعد أن تنقطع السبل بتلك القلوب المؤمنة ويتوجهون إلى ربهم بدعاء المضطرين.. والحقُّ أن عدم التوجه إلى الحق سبحانه وتعالى بتوحيد خالص ربما فيه خيانة للأمانة؛ لأن هذه الأمانة لا تُسلّم إلا لمن تعرضوا للابتلاءات وتجرعوا الهموم والأحزان، فمن الصعب للغاية الحفاظ على النعم التي وهبت إلينا وقت الراحة والدعة، ويعبر عن هذه الحقيقة المثلُ الشعبيُّ الدارج: “ما يأتي بالسهل يضيع بالسهل”، فالأموال الموروثة تلقى تهاونًا كبيرًا من قِبَل الورثة الذين يُبعثرونها هنا وهنك لأنهم لا يعرفون قيمتها.

إذًا يجب على مسلمي اليوم الذين يرغبون في أن يكونوا أمناء على الأمانة وتَبنِّي مسألة الخدمة في سبيل الله كما أشار إلى ذلك ربنا سبحانه وتعالى في قوله: “أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” (الأنبياء: 105) أن يحرصوا على صلح أحاسيسهم ومشاعرهم وأفكارهم وأفعالهم وتصرفاتهم، وأن يراودهم شعورٌ بالعجز والفقر وشدة الحاجة إلى خالقهم جلا وعلا، وأن يتجهوا إليه سبحانه وتعالى بدعائهم وتضرعاتهم في توحيدٍ خالص وعجزٍ مطلق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: فتح الله كولن، جهود التجديد، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2017م، صـ263/ 264.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.