الشغف أستاذ العلم | موقع الأستاذ فتح الله كولن

يُعدّ الشغف عنصرًا مهمًّا في مسألة قراءة كتاب الكون، وكما ذكرَ الأستاذ النورسي رحمه الله: “الشغفُ أستاذ العلم”([1]) والمقصود من العلم هنا ليس العلم (Science) بضيق معناه الذي يستخدم في أيامنا الحالية، بل العلم الذي ظاهره المعلومات النظرية وباطنه المعرفة الحقيقية وما يتبع ذلك من محبة واشتياق إلى الله عز وجل؛ ولذا يقول الحق سبحانه وتعالى مخاطبًا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (سورة طَهَ: 20/114)، فالعلم الوارد هنا ليس معرفة ماهية الأشياء بشكل مجرد، ولكنه مفهومٌ يتحوّل إلى عرفان ومعرفة فعّالة تصل بالإنسان إلى محبة الله والتعمق في العشق والشوق، وهكذا يجب أن نفهم معنى أن الشغف هو أستاذ العلم.

يجب على الإنسان عند اشتغاله بالفيزياء والكيمياء والفلك والإنثربولوجيا والزولوجيا أن يرجع إلى القرآن الكريم المعجز البيان؛ لأنه بمثابة المرشد الهادي غير المضِلّ.

الانفتاح على الأفكار الماورائية

والواقع أن بعضًا من أهل الدنيا لديهم نوع من الشغف بقراءة كتاب الكون، وعلينا أن نقابل هذا الشغفَ بكلِّ احترام وتقدير.. ولكن لما كان هؤلاء ينظرون إلى المسألة في إطار قوانين الطبيعة فحسب وبملاحظاتهم الطبيعية والمادية لم تُتَح لهم الفرصة للانفتاح على الأفكار الماورائية، ربما كان من بين هؤلاء أناسٌ منفتحون على الروح والمعنى، بل إن بعضهم قد ركن إلى الاشتغال بعلم النفس الغيبي، فمثلًا لما طغت المادية على الغرب في وقت ما انتشرت بكثرة فكرةُ تسخير الجن وتحضير الأرواح، وقد أظهر الأديب والشاعر الفرنسي “فكتور هوجو (1802-1885م)” ولعًا كبيرًا بهذه المسألة، وأظن أننا إذا ما درسنا روايته “البؤساء” دراسة متعمقة فسنجدها مليئةً بمثل هذا النوع من الميول.. وليس “فكتور هوجو” فحسب، بل إن كثيرًا من أنصار الفكر المادّي قد اشتغلوا بهذه الأمور، لكن معظم من اشتغلوا بالعلوم الطبيعية توقّفوا عند نقطة معينة ولم يتجاوزوها؛ إما لانعدام المرشد، أو لقصور معارف الدين الذي ينتسبون إليه.

غياب مصادر الإلهام

ورغم كل شيء ليس بالإمكان إنكار سعي هؤلاء لأنهم فعلوا كل ما باستطاعتهم من التأمّل في كتاب الكون.. وكما ذكرتُ من قبل فإن هناك الكثير من هؤلاء قد نذروا أنفسهم للتعرف على حياة حيوان واحد فقط، فمثلًا ذكر أحدهم أنه اشتغل عشرين عامًا بدراسة حياة العقارب، وقال آخر إنه قد قضى عمره في التعرّف على معيشة الأفعى.. وهذا بالطبع نتيجة طبيعية للشغف، ولكن لمّا لَمْ تكن الأمور الميتافيزيقية (كالوحي والغيب) مصدرَ إلهام لهم كما ذكرتُ قبل قليل فقد واصل هؤلاء سعيهم دون أن يتجاوزوا حدود الطبيعة.. فقد عجزوا عن الوصول إلى ما وراء الأشياء، ولم يكن بوسعهم الانفتاح على الأفكار الميتافيزيقية..

أُصيب العلماء المنغلقون على الميتافيزيقا بالعمى وكأنهم لا يبصرون الفاعل الحقيقي للكون، أو بالصمم وكأنهم لا يسمعون رسالات الله، وبسبب بُعْدهم عن التفكر توقفوا عند نقطة معينة ولم يتجاوزوها.

كما أنهم لم يقدروا على سبر أغوار الروح والمعنى، بل لم يفتشوا في أنفسهم ويتأملوا في ذلك النظام العجيب الذي يجري في اتّساق وتكامل، ولذا لم يَصِلوا إلى الفاعل الحقيقي والمؤثّر الحقيقي وهو الله .. فضلًا عن ذلك ليس بالإمكان الاعتماد على العالم المادي في إدراكِ ما يحمله الإنسان من رغبةٍ في الخلود، وآمالٍ منعقدة على الأبدية، وغير ذلك من أبعاد إنسانية.. بمعنى أن كل هذا قد جاء من عالم آخر، ووُهب إلى الإنسان من أجل عالم آخر، وهكذا أُصيب العلماء والباحثون المنغلقون على الميتافيزيقا بشيء من العمى وكأنهم لا يبصرون كل هذا، أو بنوع من الصمم وكأنهم لا يسمعون الرسالات المتعلقة بكل هذا، وبسبب بُعْدهم عن التفكر والتذكّر والتدبّر توقفوا عند نقطة معينة ولم يتجاوزوها.

استعانة المؤمن بمصادر الوحي

ولكن إن كان هؤلاء قد توقّفوا عند نقطة معينة بسبب أفكارهم الوضعية والمادية فعلى المؤمن ألا يكون كذلك، لأنه مطالَبٌ بتعميقِ أفكاره المتعلقة بالإنسان والكون والحوادث والأشياء في ظلّ ما تلقاه من معطيات خاصة بالحقائق الإيمانية، وأن يستعين بالتفكر والتدبر والتذكر والتفقّه للانفتاح على أفكار أخرى.

ولا جرم أن لكل إنسانٍ إحاطةً ومفهومًا وأفقًا معرفيًّا خاصًّا به.. والصوفية يلفتون الانتباه إلى هذا الاختلاف بتقسيمهم العلم إلى ثلاثة أنواع: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.. ولكن يجب على الإنسان وهو يسير بقدم العلم ليقرأ الأوامر التكوينية ويفسّرها أن يرجع دائمًا إلى القرآن الكريم القولِ الشارح والتفسيرِ الواضح والبرهانِ القاطع والترجمانِ الساطع لذات الله وصفاته وأسمائه وشؤونه([2])، وبذلك يستطيع أن يفسر تفسيرًا صحيحًا تلكَ المواضعَ التي تبدو مبهمةً ومغلقةً في الأوامر التكوينية.

معظم من اشتغلوا بالعلوم الطبيعية توقّفوا عند نقطة معينة في عالم الميتافيزيقا ولم يتجاوزوها؛ إما لانعدام المرشد، أو لقصور معارف الدين الذي ينتسبون إليه.

أجل، يجب على الإنسان عند اشتغاله بالفيزياء والكيمياء والفلك والإنثربولوجيا والزولوجيا أن يرجع إلى القرآن الكريم المعجز البيان؛ لأنه بمثابة المرشد الهادي غير المضِلّ.. وبذلك تُفهم لغة هذه العلوم بشكل صحيح، ويكون هذا سببًا في التعرف على الذات الإلهية التي تشير إليها وتعبر عنها تلك العلوم، ومن ثمّ حُبّها والتعلق بها أكثر وأكثر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، نوى الحقيقة، ص 581.

([2] ) بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الخامسة والعشرون، المقدمة، ص 417.

المصدر: فتح الله كولن، جهود التجديد، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2017م، صـ238، 239، 240، 241.

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تصرف محرر الموقع.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.