إن كمالَ أي أمة أو مجتمع يبدأ من الأسرة، ومن المنزل الذي أقامه الزوجان وتعاونا على تأسيسه، ولا بدّ للتربية أن تبدأ من المنزل حتى يُكتب لها البقاء والاستمرارية؛ فلا يُتصوّر مجتمعٌ فاضل دون أن يقوم المنزل على أسسٍ تربوية، نعم، السياسة القويمة للتربية والتعليم مهمة في تنشئة إنسان نموذجي، إلا أن المنزل سيظلُّ يحافظ على أهميته وحيويته دائمًا بما يزوّد به الطفل.

فإن توفرتْ للعقول التغذيةُ السليمة في المنزل -ولا سيما في طور التغذية اللاشعورية-، فقد تُبدي بشيء بسيط من النصح والتنبيه سلوكًا يُبهرنا ما لم تتعرض لعواصف معاكسة، وذلك بفضل المكتسبات اللاشعورية التي حصلتها هذه العقول في صغرها.

أجل، النجاح في المنزل هو مرحلة أولية للنجاح في الحياة العامة، وهذه المرحلة مرهونة بالزواج القائم على أسس سليمة.

لا بدّ للتربية أن تبدأ من المنزل حتى يُكتب لها البقاء والاستمرارية؛ فلا يُتصوّر مجتمعٌ فاضل دون أن يقوم المنزل على أسسٍ تربوية.

 غاية الزواج

الأسرة ليست كما يفهم بعض الكتّاب مصنعًا لتوليد الأطفال، وليست آلة للتفريخ أو لإشباع الرغبات الجسمانية، إنما هي النواة الأولى للأمة وأهم جزء في المجتمع، وهي مؤسسة مقدَّسة أبرز معالمها النكاح، والنكاح ميثاقٌ له هدف وغاية؛ وهو يعني اقتران اثنين بعقدٍ مشروع في إطار مبادئ معينة، أما الاقتران الذي تنعدم فيه قواعد النكاح فهو سفاح وزِنًا في شرع الله عز وجل.

والدينُ يجعل الاقتران المشروع بالنكاح ركنًا وأساسًا وقاعدة للأمة الصالحة، بل إن الاقترانات المشروعة مرهونةٌ بغاية معينة، فحري بالمسلم أن يكون بالغَ الدّقة في مسألة الزواج؛ لأن الزواج العشوائي الذي يخلو من المقصد والهدف يُقوِّض الضوابط المشروعة.

أجل، لا بدّ أن يهدف الزواج إلى تنشئة جيلٍ يرتضيه الله تعالى، ويسعد به الرسول الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه.

أما إذا كان الزواج يفقد الغاية والهدف فهو ممحوقُ البركة، شأنه كشأن الأعمال التي تخلو من النية، وأيّ اقترانٍ يشبه الزواج، ويخلو من الغاية ولا يحاط بسياج من الإيمان ولا يكترث إلا بالمظهر الخارجي فقط فكثيرًا ما ينتهي بعدم التوافق وصعوبة التعايش فضلًا عن انعدام البعد الأخروي، وخاصة إن اقترن اثنان أحدُهما مؤمن والآخر لا يؤمن بالله ولا بالقرآن ولا بالرسول صلى الله عليه وسلم، فلا مناص من وقوع خلافات فكرية ودينية، وظهور أفكار متناقضة من حيث الإيمان وعدمه، وتناقضات لا يمكن التخلص منها.

لا بدّ أن يهدف الزواج إلى تنشئة جيلٍ يرتضيه الله تعالى، ويسعد به الرسول الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه.

اتحاد العقل مع المشاعر

الزواج الهادف هو الذي يقوم على العقل والمنطق إلى جانب الحسّ والعاطفة، فإن ارتبط الزواج بغاية وهدف عمّت الأسرةَ الطمأنينةُ والسكينة، أما إن لم يُراع الهدف في الزواج فالنتيجة هي وقوع كثير من المشاكل، وسيادةُ القلقِ والاضطرابِ الدائمِ على أفراد الأسرة.

لقد شرع الله الزواج وحثّ عليه، وربطه في الوقت ذاته بالهدف والغاية، في الواقع، لا بدّ أن يتّخذ الإنسانُ غايةً له في كل أموره وسلوكياته؛ حتى يصمد في أعماله ومشروعاته في سبيل الوصول إلى الهدف الذي ينشده، وإن لم يتخذ غاية لحياته لن يستطيع أن ينظّم وقته، أو يصل إلى أي هدفٍ ألبتة، وإن شئتم فسمُّوا هذا منهجًا أو مبدأً أو غائيّة.

والحق أننا إن لم نتشبث بالغاية في سلوكياتنا وأفعالنا لضيّعنا قدرًا كبيرا من حظّنا في النجاح.

أجل، رَبَطَ دينُنا الزواجَ بغايات وأهداف، لأنّه ليس بالأمر الهين الذي يقوم على الحسّ والعاطفة فقط، فهذا الأمر المهم إن لم يقم على أسسٍ سليمة لا تتسبب في أيّ خواء منطقيّ أو حسيّ فلا غرو أن نهايته أناسٌ على أبواب المحاكم، وأراملُ وأطفالٌ لا عائل لهم، لذا فقد أقام الدين من البداية سدًّا أمام كلّ هذا…

ينبغي عند التفكير في الزواج أن ننظر إليه على أنه مسألة عامة ووطنية ودينية ترتبطُ بسعادة الأمة بأسرها، بل وبالإنسانية جمعاء.

الزواج من أجل الإنسانية

إن الزواج مسألة جدُّ مهمّة، وبه تتكون الأسرة التي هي أهم عنصر في المجتمع، ولذا لا ينبغي لنا عند التفكير في الزواج أن ننظر إليه على أنه أمر بسيط يتعلّق بالرغبات الجسمانية للفرد، بل على أنه مسألة عامة ووطنية ودينية ترتبطُ بسعادة الأمة بأسرها، بل وبالإنسانية جمعاء، أما بالنسبة للأمر الخاص بالحالة النفسية والجسدية للفرد فهي بمثابة منحة أو عطية يتفضّل الله بها على الإنسان حتى يتيسر تحقُّقُ الغاية العظمى، ويمكن القول بأنها عبارة عن سُلفة، أو مكافأة معجَّلة على الخدمة العظيمة التي سيقوم بها الفرد، مثل حفظ نسل بني البشر وتنشئة أفراد ذوي شخصية عالية ترقى بمستقبل الإنسانية.

والحق أنّ الدين الإسلامي يولي أهمية كبرى إزاء هذا الموضوع، ويوصينا أن نتحلى بالدقة البالغة عند التفكير فيه، ونقيِّم الأمر جيّدًا، وأن نحذر من ارتكاب أي خطأ؛ حتى لا يتأسس المنزلُ على أسس واهية تودي به إلى الانهيار.

المصدر: من البذرة إلى الثمرة، دار النيل للطباعة والنشر

ملحوظة: بعض العناوين وبعض العبارات من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.