إن من الأهمية بمكان إظهارَ الندم على فعل الذنب بتسارعِ دقات القلب وسرعةِ تدفق الدم في الأوردة وتغير دورته.

– أَجَلُ الذنبِ لا بد أن يكون قصيرًا

إذا ما زلّ أحدكم في موضعٍ ما، وارتكب ذنبًا وانزلقت قدمه في مستنقع الذنوب، فلينهض من فوره، دون انتظار، وليتطهّر بالتوبة والاستغفار، ليتطهّر ولا يؤجِّل ألبتة؛ فمن ذا الذي يملِكُ سندًا أو وثيقةً تؤكِّدُ أنَّه لن ينتقل إلى ربِّه بعد ساعةٍ وهو يحمل وِزرًا على ظهره أثقل من جبل قَافْ؛ إنَّ الأرواحَ الطاهرةَ تجافيها الراحةُ، ولا تَغمض لها عين مالم تتطهر مما ارتكبته من الذنوب.

لا حقَّ لأيِّ ذنبٍ أنْ يعيشَ ولو ثانيةً؛ إذ إنَّه سيغدو ثعبانًا سامًّا يقرِضُ القلب ما لم يُمْحَ بالتوبة فورًا، وإذا ما تكدَّرَ القلبُ مرَّةً تهيَّأ لأكدارٍ أخرى، وهكذا يتردَّى الإنسان في دائرةٍ فاسدةٍ.

إنَّ إطالةَ عمر الذنب ولو ثانيةً يضرُّ صاحبَه ولا ينفعه، والأنكى أنَّه توقيرٌ لسوءِ الأدب الذي ارتكبه المذنب في حق الله تعالى، فلا حقَّ لأيِّ ذنبٍ أنْ يعيشَ ولو ثانيةً؛ إذ إنَّه سيغدو ثعبانًا سامًّا يقرِضُ القلب ما لم يُمْحَ بالتوبة فورًا، وإذا ما تكدَّرَ القلبُ مرَّةً تهيَّأ لأكدارٍ أخرى، وهكذا يتردَّى الإنسان في دائرةٍ فاسدةٍ، ويولّد كلُّ ذنب ذنبًا آخر إلى أنْ يتجلَّى سرُّ الآية الكريمة: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ: 83/14).

ولذلك فمِنَ الأهميّةِ القصوى جذبُ مشاعر الناس وأفكارهم إلى هذه الساحة دائمًا، وتوضيح تلك الحقائق لهم، وتحذيرهم من الذنوب ليكونوا يقظين فطنين لها؛ بل إننا حتى لو تمتّعنا بقوّة الولاية لكان علينا أن نُظهِر لهم الوجه القبيحَ للذنوب ما أمكن وأن نصرِفَهُمْ عنها.

أجل، ها هم أولاء ذوو القلوبِ الفطنة اليقظة والأرواح الحساسة كأني بهم يشتمّون رائحةً كريهةً يجلبها الذنبُ.

إنَّ الأرواحَ الطاهرةَ تجافيها الراحةُ، ولا تَغمض لها عين مالم تتطهر مما ارتكبته من الذنوب.

– بغض الذنب

إنّ بُغضَ الذنب من أهمِّ عوامل التوبة عن الذنب، وعدم بغضه يثبّط العزم عن الفرار منه فرار الناسِ من الثعبان والعقرب، فإن عجز الإنسانُ عن الفرار والتقوى استحالت توبته وعزمه وتصميمه على عدم ارتكاب ذلك الذنب مرةً أخرى، وكما يُوَلْوِلُ وينوحُ مَن انكسرت له زهريّة كريستال نادرة جدًّا فكذلك الأمر هنا أيضًا، والمقصود أن مصباح الحياة الذي بأيدينا يتّسخ وينكسر مع كلّ ذنبٍ نرتكبه؛ وفي هذه الحالة ينبغي على الأقل أن نشعر بالحزن والأسى على ما نرتكب من الذنوب بقدر الحزن والأسى الذي نشعر به عند انكسار زهريّة الكريستال، وإلا عُدَّ ذلك استخفافًا بالذنب وإهمالًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: محمد فتح الله كولن، ترجمة عبد الرازق أحمد محمد، الموشور، دار النيل، مصر، 2015، ص146.

ملاحظة: عنوان المقال من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.