عرفتُ أناسًا الصَّمتُ سَمْتُهم، لا يتحدثون إلا لمامًا، وعندما يقتضي الأمر فحديثهم -غالبًا- إما شرح لمعانٍ تجلَّتْ في سلوكهم الأصيل، وإما تفصيل لمشاعر عميقة يعوزها البيان، أو تيسير لحقائق أشكل فهمُها على من عَميت بصائرهم. وكم وقف الناس مشدوهين مبهورين وهم يصغون إلى خُطبهم الصامتة، أي خطبِ لسان الحال. يا لله كم وكم بلغوا من عمق الحال والقلب، حتى إن كل من يجلس بين أيديهم ويستمع إليهم، ما أسهل أن يفهم عنهم ولو لم يكن ممن يعرف لغتهم، فيزداد لهم إكبارًا وتقديرًا. وعندما كنّا نحضر مجالسهم كنّا نقول: “شهِدنا، أدرَكْنا، تشرّبنا” لا “سمعنا”… كانت كلماتهم حكمة. فإن لاذوا بالصمت شعرتَ بسهامٍ في أعماقك ترمي بها نظراتٌ منهم ترى الله عليها رقيبًا.
أجل، ما أكثرها من ينابيع وما أغزرها من عيون، تلك التي مررتُ بها! لكن -وا حسرتاه- لم أستطع ملء دلوي، فكان العبث والتسكع حرفتي. أليس شعث حالي دليلاً على تشرّدي وضياعي؟! إنني ما زلت حتى الآن أشعر بأثر صمت هؤلاء الربانيين الذين إنْ تحدّثوا فكلماتهم “حكمة”، وإن صمتوا فاضوا فكرًا وتأملاً.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.