إنني أرفض دائمًا فكرة التعامل مع الدين باعتباره أيديولوجيا سياسية (Politic). كما أرى أن على المسلم أن يتصرف وفق الأخلاق الإسلامية سواء كان في البعد المدني والمجتمعي، أو في الشأن العامّ والمجال الإداري. أي يجب أن يلتزم بقيم الإسلام الأخلاقية في كل مكان وُجد فيه. فالسرقة والرشوة والنهب والكسب غير المشروع والكذب والنميمة والغيبة والزنا والانحطاط الأخلاقي… هي ذنوب وأمور غير شرعية في كل السياقات. ولا يمكن ارتكاب هذه المعاصي لأي غرض كان، سياسيًّا أو غيره، ولا يصحّ لأحد الإفتاء بارتكابها.

ثم إن هذه المعاصي تُعتبر جناياتٍ حتى في إطار المعايير المتعارف عليها عالميًّا. وإذا فقد الفرد نزاهته الأخلاقية في هذا الجانب، فإن دوره في الشأن العام أو في أي حزب سياسي، عديم الجدوى. وكأي إنسان عادي، يُسعدني أن أرى هذه المبادئ الأخلاقية وقد تحوّلت إلى سلوك لدى جميع مَن يشغلون مناصب في الشأن العام أو في المجال السياسي. في الواقع إن المشاكل المذكورة أعلاه هي المصدر الرئيسي للشكاوى في المؤسسات الإدارية والسياسية في كل مكان حول العالم.

حركات التمرد والانقلابات والعنف تجرّ البلاد إلى الفوضى وتفقدها مكتسباتها في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتؤدي إلى خسائر لا يمكن تلافيها.

واسمحوا لي أن أقول بكل وضوح؛ إذا كان المسلمون في بلدٍ ما يمارسون شعائرهم الدينية بحرّية، ويتمكّنون من إنشاء مؤسساتهم الدينية بلا عوائق، ويستطيعون أن يلقّنوا قيمهم الدينية لأبنائهم ولمن يرغب في تعلّمها، ولديهم الحرّية الكاملة في التعبير عنها في النقاشات العامة، ويعلنون عن مطالبهم الدينية في إطار القانون والديمقراطية، فإن حاجتهم إلى إقامة دولة دينية باتت غير ضرورية.

والتاريخ يشهد على أن حركات التمرّد والثورات والانقلابات وأحداث العنف دائمًا ما تجرّ البلاد إلى الفوضى والمآسي، وتجعلها في نهاية المطاف تفقد كل مكتسباتها في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتكبّد الشعوب أضرارًا وخسائر لا يمكن تلافيها.

إذا تمّت السيطرة على سلطة بلد ما قسرا وأُجبِر الناسُ على التديُّن، فإن هذا سيجعل منهم مُنافقين.

والحقيقة أنه إذا تمّت السيطرة على سلطة بلدٍ ما قسرًا وأُجبِرَ الناس على التديُّن، فإن هذا سيجعل منهم مُنافقين، يراؤون السلطة داخل بلدهم ويتظاهرون بالتديّن لتحقيق منافع شخصية، ولكن ما إن يسافروا إلى الخارج حتى ينغمسوا في حياة مناقضة للدين ومفتوحة على ألوان شتى من الذنوب والآثام. ففي مثل هذا البلد يضعف احترام القانون وينتشر النفاق والرياء. وإن نظرة فاحصة لتجارب متنوعة في بلدان مختلفة ستدلك على أن كلماتي المجردة هذه لها في الواقع ما يؤازرها.

المصدر: كلمات شاهدة، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر

ملحوظة: عنوان المقال من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.