أحدية الله وواحديته – موقع الأستاذ فتح الله كولن

السؤال: الله تعالى واحد، ولكنه في كل مكان… أيمكن إيضاح هذا؟

الجواب: الله تعالى واحد أحد، ومع ذلك فهو موجود وحاضر بعلمه وقدرته في كل مكان وفي كل زمان. وعندما نقول هذا لا نعني أنه تعالى يشغل حيزاً مكانياً كسائر الأجسام. عندما نقول إنه واحد أحد فإننا نشير إلى جلاله وإلى عظَمته ونعبّر عنهما. وعندما نقول إنه في كل مكان نقصد أنه موجود برحمانيته ورحيميته وعلمه وقدرته في كل مكان وهو -بلا تشبيه، فللّه المثل الأعلى- كأشعّة الشمس التي مع أنها تلامس رؤوسنا إلاّ أنها بعيدة عنا ولا نستطيع الوصول إليها. أي أن الله تعالى مع أنه يحيط بنا بصفاته هذه، وأقرب إلينا من حَبل الوريد إلاّ أننا لا نملك الوصول إليه في علْيائه. أجل! إن الله تعالى يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق:16).

إذن فالله تعالى الذي هو أقرب إليّ من حبل الوريد لا بد وأنه حاكم ومسيطر في كل مكان وخارج حدود الكمّية والكيفية. فهو ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (الأنفال:24). إذن فهو أقرب إلي من قلبي. فإن قلتُ: “إن الله في قلبي” فهو كلام صحيح. لأنه يعلم عني أكثر مما أعلم عن نفسي، ثم ﴿وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (الأنفال:17). أي أن الله تعالى هو الذي رمى في معركة بدر وفي غيرها من المعارك باسم الرسول صلى الله عليه وسلم. إذن فهو يؤثّر في كل شيء حتى في الرّمْي. إذن فهو في كل مكان حسب هذه الآية وغيرها من الآيات وهي تبين لنا أن الله تعالى حاضر ومسيطر في كل مكان بقدرته وعلمه وبرحمانيته ورحيميته وبجماله وجلاله وبعلمه وإرادته وبسائر صفاته الأخرى.

وهو مع هذا واحد أحد وذلك حسب الآيات العديدة في القرآن وحسب اقتضاء الحقائق الكونية. ولو كان هناك إلَهان -حاشاه- لفسدت السماء والأرض. وهذا هو ما يسجله القرآن الكريم ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:22). أي لتصادمت النجوم وانفجرت، وتصادمت الذرّات بعضها مع البعض الآخر. ولأدّت أشعّة الشمس الواصلة إلى الأرض إلى سلسلة من الفعاليات الأشعاعية لليُورَانْيُوم ولَما بقي هناك شيء حيّ على وجه الأرض.

وكان علماء الكلام السابقون يُطلقون على هذا اسم “بُرهان التمانع”. وحسب هذا البرهان فاللهُ واحد ولا يمكن أن يكون هناك إلهان اثنان. لأن شأن أي شيء صغير -كقيادة سفينة مثلاً- يكون مصيره الاضطراب إن تدخّلت فيه يدان اثنتان. ولو وضعت عجلتان للقيادة في سيارة وتركت قيادة السيارة لسائقَين لكان الاضطراب والاصطدام نتيجة مثل هذه القيادة على الرغم من وجود طرق مبلطة وجيدة. لذا كان الاضطراب هو مصير الكون لو تمت إدارته وتنظيمه من قبل أرادتَين مستقلتين وحرّتين.

لذا نرى أن قدراً سرّيّاً يجري في هذا الكون الهائل المنظم غاية التنظيم بدءً من العالم الكبير “الكون”، إلى العالم المتوسط “عالم الإنسان”، إلى العالم الصغير “عالم الذرات”. وهذا النظام والتناسق والتناغم الموجود في هذه العوالم يحتاج إلى خطة علمية. ويحتاج إلى قدرة وإرادة لإخراجه من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الوجود. ثم يحتاج إلى دوام المراقبة والسيطرة. وكل هذا في حاجة إلى إدارة واحدة وذات واحد أحد. فحتى الإنسان يرفض أن يتدخل أحد في شؤونه الخاصة وفي عمله، وذلك حسب ما يطلقون عليه اسم “قانون ردّ التدخل”. فكيف يستطيع أحد أن يتدخل في شؤون الله تعالى في تنظيم الأمور المتداخلة والمعقدة لهذا الكون الهائل؟!

لذا قلنا بأنه لو تدخل في كتاب هذا الكون وفي معمله ومصنعه أو في ساعته يدان اثنتان لفسد الكون بأكمله. وبما أنه ليس كَوناً مضطرباً أو فاسداً، بل هو منظّم غاية التنظيم إذن فصاحبُه ومالكُه وخالقه واحد أحد. والآن لنتناول الموضوع من جانب الضمير:

إن الحوادث الجارية من حولنا تُبَرهن -سواء على مستوى عالمنا الداخلي أم على المستوى الواقعي- بأن الله تعالى هو المستند الوحيد وهو الملجأ الوحيد. ذلك لأنني باعتباري إنساناً عاجزاً وفقيراً أرفع يديّ بالضراعة مُدركاً عجزي وفقري وكأني على خشبة مكسورة في خضمّ محيط هائج واهتف قائلاً: “يارب! يارب!” وأنا أشعر في أعماق قلبي بأن هناك من يسمَعني. ولكي يسمعني لا بد أن يكون حاضراً وناظراً في كل مكان وأن يكون ربّاً للعالمين، بحيث عندما يسمع ضراعتي يسمع في الوقت نفسه ضراعة نملة وحاجتها إليه جل جلاله وطلبها منه.

إذن فهو أقرب إلى النملة من نفسها؛ والأدعية المقبولة على مستوى العالم تبيّن هذه الحقيقة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ سلَيمان بن داود خرج هو وأصحابه يستسقون فرأَى نملةً قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي، فقال لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها».[1]

كل موجود في هذا العالم يتوجه إلى الله تعالى ويتقدم إليه بحاجته ويدعوه ويتضرع إليه. والله تعالى يستجيب لهذه الأدعية ويكشف لنا هذه الحقيقة عندما يقول ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إذَا دَعَاهُ﴾ (النمل:62). ثم أليست ضمائرنا شاهدة على هذا؟

إذن فالله تعالى موجود في كل مكان يسمع كلّ صوت ويرى حال الجميع ويسرع لنجدة الجميع ويتجلى للجميع برحمانيته ورحيميته؛ لذا فهو عظيم جليل عزيز لا يحتاج إلى مساعدة أحد، لأنه قادر على إنجاز كل شيء وَحْده، خلْقُ الجنة سهْل عليه كسهولة خلق الرّبيع. وينبع هذا من عظمته وجلاله ووحدانيته. وهو في كل مكان وفي كل موضع يرى ويسمع ولكن ليس كجسم يشغل حيزاً في الفراغ أو في المكان، فهو بأسمائه الحسنى وصفاته مبرَّأ ومنـزَّه عن الكمّية وعن الكَيْفية عندما يكون حاضراً في كل مكان، وهذا تجلٍّ من تجليات أحَديته وجماله ورحمانيّته ورحيميّته.

وهاكم شاهداً على هذا: لو سحب ماء عيني ولم يعط لها الماء لأصبت بمرض جفاف العين، إذن فهو يرى عيني كل دقيقة؛ لذا فهو يرطبها ليحفظها من المرض. إذن فلا بد من وجود من يعطي لي العين لتكون وسيلة لي لرؤية الأشياء ويرى عيني ويعلم ما تراه عيني لتتم كل هذه الأمور. ومثلاً: يجب أن يكون هناك من يقوم بترطيب اللّقمة عند تناول الطعام لكي يتم هضمه ويرسل الشفرات إلى معدتي ويحرك فكّي، ويرسل الغذاء إلى الخلايا التي تحتاجه بشكل عادل لكي تستمر حياتي. لذا نقول: “ان أسماء ربنا تتجلى علينا برحمانيته ورحيميته”. ولو لم يكن ربّنا مَوجوداً في كل مكان يسمع ويرى إذن لجفّت اللقمة في فمي ولنـزلت إلى المعدة وكأنها حجر صلد، ولَما توزّع الغذاء إلى الخلايا بشكل عادل. نفهم من كل هذا أن الله تعالى أقرب إلينا من أنفسنا. أجل!.. فالله تعالى بتجليات أسمائه الحسنى أقرب إلينا من حبل الوريد، ولكننا -بخصائصنا البشرية- بعيدون عنه بعداً كبيراً. ولكن كيف نستطيع التوفيق بين هذين الأمرين؟

نشرح ذلك بمثال. إن الشمس قريبة منا جدّاً، ولكننا بعيدون عنها. والشمس واحدة، ولكنها تلاطف رؤوسنا كل يوم بإشعاعاتها المختلفة الأطوال، وتنضج لنا الأثمار على الأشجار. وحرارة الشمس وضياؤها وألوانها هي بمثابة صفات مختلفة لها. فلو كانت لحرارتها قدرة، ولضيائها علم، ولألوانها السَّبعة حواسّ كالرؤية والسمع لَكانت الشمس أقرب إلينا من أنفسنا وأجرت تصرّفاتها معَنا. هذا مع أن الشمس جسم كثيف ومادّي، فهي تحتوي على الهيدْرُوجِين الذي ينقلب على الدوام إلى الهيلْيُوم وتنطلق من تحول ملايين الأطنان من الهيدروجين إلى الهيليوم طاقة كبيرة على شكل أشعاع وضوء يصل إلينا وإلى أماكن أخرى، مع العلم أن الشمس أولاً وأخيراً جسم ماديّ، بينما الله سبحانه وتعالى منـزَّه عن المادة ومبرأ عنها، فالله تعالى ليس ضوءً ولا أشعاعاً ولا ذرّة، بل هو خالق هذه الموجودات، لذا فهو يختلف عنها.

فالله تعالى مُنوِّر النور، ومُصوّر النور، ومُشكّل النور، فهو منبع النور، وهو خالق النور؛ فكل أنواع الأنوار والأضواء وكل أنواع الحرارة والألوان في قبضة تصرّفه. فإن كانت هذه هي حال الشمس التي هي مخلوقة من قِبَله تعالى فلا شكّ أن الله تعالى الواحد منذ الأزل يكون حاضراً وناظراً في كل مكان.

ثم إن الملائكة الكرام أن تكون موجودة في اللحظة نفسها في أماكن عدة. كما أن الجنّ أيضاً يمكن أن يكون مَوجوداً في عدّة أماكن في نفس الوقت. وكذلك يستطيع الشَّيطان الأكبر التأثير في كثير من الناس في اللحظة نفسها على الرغم من أنه شيطان واحد. لأنه يستطيع إرسال وَسْوسته إلى العديد من الناس في اللحظة نفسها، أي يستطيع التأثير عليهم في نفس الوقت.

فإذا كان لبعض مخلوقات الله تعالى -حتى بعض المخلوقات الحقيرة والعاجزة- مثل هذه القابليات فلِمَ لا تكون لأسماء الله تعالى -وهو الحي القيوم- مثل هذه التجليات ومثل هذا الحضور والرقابة في كل مكان؟

الهوامش

[1] المصنف لعبد الرزاق، 3/95؛ المصنف لابن أبي شيبة، 6/62.

المصدر: مسجد “بُورْنُوَا”، 12 مايو 1978؛ الترجمة عن التركية: اورخان محمد علي.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts